أبي طالب المكي

118

علم القلوب

ما أخبرتك [ به ] أحوج منك إلى معنى معرفة ما سألت [ عنه ] . فقال الرجل : بلى ، خلقت من نطفة ، وخلقت للابتلاء والمحنة ، قال الشبلي : ويحك ، من علم أنه خلق من نطفة كيف يطمع في معرفة من قطع الأوهام عن إدراك أينونيته وكيفوفيته ، ومن أظهر اسما من أسمائه وهو اللّه ، ثم أشغل جميع الألسن [ ب ] شرح هذه الكلمة من حين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة لم يدركوا نهاية ذلك ، فكيف بالمسمى ؟ وإن بني إسرائيل مكثوا أربعين سنة يطلبون بقرة لم يهتدوا إلى معرفتها ، ولا وجدوها ، ولا وقفوا على حقيقتها ، وكيف تطمع أنت أيها الطالب لمعرفة اللّه في إدراك معرفته ، وبهيمة لا يهتدى إلى معرفتها إلا بعد أربعين سنة ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [ الزمر : 21 ] ، وعبرة عظيمة لمتدبر الخطاب . الآية الرابعة ذكره تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ، قال جعفر الصادق : إن اللّه تعالى لم يخلق مخلوقا أعظم من العرش ، أحكم خلقه من ياقوتة حمراء ، فجعله سبعين ألف طبق ، وجعل [ له ] ثلاثمائة وستين قائمة ، كطباق الدنيا ستون ألف مرة ، تحت كل قائمة ستون ألف صخرة ، في كل صخرة ستون ألف مدينة ، في كل مدينة ألف عالم مثل عالمكم هذا ، لا يعلمون أن اللّه خلق إبليس ولا آدم كلهم في الجنة ، ألهمهم اللّه أن يستغفروا لمحبى أبى بكر وعمر « 1 » ، فلما خلق العرش علا على العرش واستوى « 2 » ، معرفته بكل شئ ، فليس شئ قريب إليه من شئ . ثم خلق ملكا له ثمانية عشر ألف جناح ، ما بين كل جناح وجناح مسيرة خمسمائة عام ، فجعل الملك يقول في نفسه : أفوق ربنا شئ ؟ واللّه فوق عرش ربنا ، فعلم اللّه ذلك ، فزاد في أجنحته مثله ، وكان له ستة وثلاثون ألف جناح ، ثم أوحى إليه : طر ، فطار مقدار عشرين ألف سنة ، يقطع [ في ] كل طيران مائة ألف عام ، فلم ينل قائمة من قوائم العرش ، فأوحى إليه : أيها الملك ، إني عظيم فوق كل عظيم ، وليس فوقى شئ ، عد إلى مكانك ، فسلب اللّه أجنحته لما تفكر في نفسه .

--> ( 1 ) ظاهر الخبر ردع للروافض ، ويرى أتباع جعفر الصادق أن خلافة أبى بكر وعمر صحيحة باعتراف الإمام على ، وإن كان هو صاحب الحق فيها ، ولكن ما دام هو قد بايع ، فهم لا يرفضونها ، ولا يخفى ما في الخبر من دلائل على الشك في صحته . ( 2 ) في الأصل : استوى .