أبي طالب المكي

114

علم القلوب

لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [ الحجرات : 3 ] . وقال جعفر الخلدى في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، قال : إلا ليعرفوني ، ثم يعبدوني على بساط المعرفة ، ليتبرأوا من الرياء والسمعة . وقال ابن عطا : إلا ليعرفوني ، وما عرفه حقيقة من وصفه بما لا يليق « 1 » . سئل الشبلي ، رضى اللّه عنه ، عن قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 171 ] ، قال : هذه صفة العارف ؛ لأن اللّه تعالى قال للكافر والزنديق : صُمٌّ عن استماع الحق ، بُكْمٌ عن التكلم بالحق ، عُمْيٌ عن النظر إلى الآخرة والحق فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] أمر الهوى والدنيا ، فالعارف الصديق هو بضد هذا الوصف ، [ أ ] صم ، فلا يسمع غير الحق من الحق ، [ أ ] بكم ، فلا ينطق إلا بالحق من الحق للحق ، [ أ ] عمى ، فلا ينظر إلا للحق بالحق ، ثم قرأ : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] . وقيل له مرة أخرى : هل للعارف علامة ؟ قال : نعم ، الاستغناء ، والافتقار ، والاحتقار للنفس . وقيل : صُمٌّ ، فلا يسمعون نداء المخالفين ، بُكْمٌ ، فلا ينطقون مع المعرضين ، عُمْيٌ فلا ينظرون بعين « 2 » الجاهلين . وقد قيل في معنى هذا من تفسير قوله تعالى في قصة هارون وموسى ، عليهما السلام : وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً [ القصص : 34 ] ، قال أبو بكر بن طاهر : هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ؛ لأنه لم يسمع خطابك ، ولم يخاطبك في موقف حضورك ، فهو أفصح منى لسانا مع المخلوقين ، كيف أكون معهم فصيحا وقد سمعت لذة كلامك ؟ ! ولكن كيف أخاطبهم مع مخاطبتك ؟ ! أم كيف أجعل لهم وزرا على ما أدنيتنى وخصصتني به من قربك ؟ ! وكيف أخاطبهم بلسان به خاطبتك ؟ ! وكيف أطيق سمع خطابهم بأذن سمعت بها خطابك ؟ ! وقيل : كيف أخاطبهم ، وكلما ذكرت نداءك لي : إِنَّ رَبَّكَ ، تحيرت في فهم الكلام كأني

--> ( 1 ) في الأصل : ولا معرفة حقيقية من وصفه بما لا يليق . ( 2 ) في الأصل بزين ، وأفرد الضمير في الفقرة كلها .