أبي طالب المكي

101

علم القلوب

ثم ينادى مناد من تحت العرش : يا أهل التوحيد ، فيقومون ، فيقول : إن اللّه قد عفا عنكم ، فليعف بعضكم عن بعض ، وعلى اللّه الجزاء ، فيعافون ويدخلون الجنة ، وتبقى طائفة من الناس متلازمين ، فينادى مرة أخرى : ما لكم واقفين « 1 » ؟ فيقولون : حرام علينا أن نرجع إلى غيرك ، وأن نشتغل عنك إلى سواك ، فيقول اللّه تعالى : صدقتم ، أنا الموحد وأنتم الموحدون ، أنتم لي وأنا لكم » . وسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم : بماذا عرفت ربك ؟ قال : « حاش للّه أن أعرفه بشئ ، ولكن عرفت الأشياء كلها باللّه ، فأنا أعرفكم باللّه ، وأشدكم خوفا من اللّه » . وقال جعفر الصادق : الموحد من طالع الحق بنور التوحيد ، لا يكون للمخلوقين فيه خطر ، يعنى في قلبه خطر . وقال بعضهم : الموحد « 2 » الذي رش عليه من نور القبضة يوم الذر عند القسمة . وقيل لذي النون : بماذا عرفت الرب ؟ قال : ربى أجل من أن يعرف بشئ ، ولكن عرفت ربى بربى ، وعرفت ما دون ربى بربى « 3 » ، قيل : فما العقل ؟ قال : العقل عاجز لا يدل إلا على عاجز مثله ، وهو آلة أعطيت لإقامة العبودية ، لا للاستدلال [ على ] الربوبية « 4 » ، ألا ترى إلى ما حكى في الأثر ، أن اللّه لما خلق العقل قال له : من أنا ؟ قال : لا أدرى ، فكحله الجبار بنور الوحدانية ، فقال : أنت اللّه لا إله إلا أنت ، فلم يكن للعقل أن يعرف اللّه بغير اللّه ، فكيف أعرفه بالعقل . وقال بندار بن الحسين : من طلب أربعة أشياء وقبل أربعة أشياء يهلك في الهالكين : من يطلب مطالعة التوحيد قبل خمور البشرية يهلك ، ومن طلب الرياسة قبل السياسة يهلك ، ومن يطلب حقيقة التوحيد قبل الإشراف على الأسرار يهلك ،

--> ( 1 ) في الأصل : واقفون . ( 2 ) في الأصل : التوحيد . ( 3 ) هذا هو السلوك الصعودي في الفقرة الأولى من الجواب : عرفت ربى بربى ، لم أحاول أن أعرفه بنفسي ، ولكني استسلمت له حتى عرفني نفسه سبحانه . والفقرة الثانية : عرفت ما دون ربى بربى ، هي السلوك النزولي ، فلما عرف ربه بربه ، استصحب تلك المعرفة حين هبط من علياء المعرفة إلى العوالم المتفرقة في الخلق ، فأثبتت وجودها بوجود اللّه ، وبمقدار ما يصل إليه السالك من علو في الصعود أو عمق في النزول تكون درجة معرفته . ( 4 ) ولا لتدبير الرزق ، راجع لابن عطاء اللّه السكندري كتاب التنوير في إسقاط التدبير ، طبع القاهرة .