عبد الرحمن بن محمد البكري
77
الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار
الجزء الثالث [ مقدمة ] قال : إن اللّه سبحانه بمنه ، وجوده ، وكرمه ، وفضله ، وإحسانه خصّ هذه الأمة بما سبق لهم عنده من الشرف ، والكرامة ، والقدم الصدق في الحقيقة فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب ، والحكمة ، ويبين لهم دينهم ، ورضى ربهم ، ويذكرهم آلاء اللّه ، ويحذرهم عذاب اللّه ، وينذرهم بطشه ، ويبشرهم برحمته وسعة مغفرته ، وما أعدّ اللّه لمن أطاعه ، ولمن عصاه من النعيم المقيم ، والعذاب الأليم في دوام الخلود ، ويخبرهم بما أصاب القرون الأولى بالتكذيب ، ومن نجى منهم بالتصديق حتى أكمل اللّه عز وجل لنبيه محمد المعظم المكرم صلى اللّه عليه وسلّم دينه بفرائضه ، وأحكامه ، وحدوده ، وحلاله ، وحرامه ، وترغيبه ، وترهيبه ، وآدابه ، وأخلاقه ، وسيره ، وقصصه ، واعتباره ، وأمثاله ، وتشديده ، وتيسيره ، ثم بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جمل الشريعة بالسنن الواضحة في الواجبات ، والنوافل ، ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بسبيله محمودا شاكرا راضيا زاكيا ، وتولى اللّه عز وجل إقامة الدين ، وتوفيق المؤمنين فكان من ذلك ما أجمعوا عليه من إمامة الخلفاء الراشدين المهديين رحمة اللّه عليهم ، ورضوانه عليهم أجمعين . فكانوا أفضل خلف ، وخير سلف ينذرون عن دين اللّه ، وينيبون عن رسول اللّه ، وينصحون المؤمنين ، وينصحون من يأتي بعدهم من الباقين فلما مضوا لسبيلهم سالمين من الأحداث ، والبدع طاهرين أعقبهم التابعون لهم بإحسان المذكرون قبل خلقهم في محكم التنزيل فتباروا بهديهم وقفوا مناهجهم ، وحذروا البدع الحادثة في زمانهم ، وتناصحوا فيما بينهم ، وأنذروا المخالفين ، ولم ينسوا المذنبين حتى مضوا لسبيلهم رحمة اللّه