محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
50
الاعمال الصوفية
يثبت : ولكن إن انحصر العلم لم يكن علما . العلم باب الله ، ولكنه يفصل عن الله أيضا حين ينادي على العابد بجوامعه في صلواته . العلم أضر من الجهل على من يرى الله ، لأنه وما ينطوي عليه في غياب ، لا في رؤية . ليس للعلم مطلع على الله ، ولا متعلق له به . ونوره يضيء الصوفي لذاته ، لا عن الله . تبقى الخواطر والمخاطر ما بقي العلم : لأنه ملقى في الحرف ، ولأنه معدن الحرف ، والاسم معدن العلم . العلم مجرد واسطة ، والوسائط يجب أن تطرح جانبا مع المعارف في الطريق إلى الحق ، لأن المتصوف ، إذا انقاد لهما ، فقد يهوي بالعلم ، وقد تنقلب المعرفة به إلى نكرة . صاحب الرؤية يفسده العلم ، كما يفسد الخلّ العسل . العلم الذي يرى فيه الصوفي الله هو السبيل إليه ، والعلم الذي لا يراه فيه هو حجاب فاتن ، لا طريق فيه يفضي إلى الله . حين يرى الصوفي الله ، يرى العلم والمعرفة طردا من حضرته ، فلا يرى الله ، ولا ينتفع بعلمه . ومن لم يستقرّ في الجهل لم يستقرّ في العلم . ومن لم يستتر بالجهل من العلم لم ير الحقّ . العلوم كلمات من كلمات الله : مبلغ حدها الجزاء ، فلله في العلوم بيت ، يتحادث منه مع العلماء . العالم العالم يستدلّ على الله ، لكن كلّ دليل يستدل به إنما يدله على نفسه ، لا على الله . وما لم يتوقف العالم ويفتر ، فإنه جاهل ، وإن لم يزل كل عالم ، لم يزل كل جاهل . والعلماء على ثلاثة أنواع : عالم هداه في قلبه ، وعالم هداه في سمعه ، وعالم هداه في تعلمه . والعلماء يدلون على طاعة الله ، لا على رؤية الله . لفظتان كثيرا ما يقابل بينهما النفري ، وهما الرؤية والغيبة . وقد جمعنا هاهنا أهم المقاطع التي يشير فيها النفري إلى هاتين الحالتين . الرؤية باب الرؤية هي الوقفة ، وإن خرج الواقف من رؤية الله احترق . وذكر الله ، في أثناء رؤيته ، جفاء ، فكيف برؤية سواه ، أم كيف بذكره مع رؤية سواه . لن يبقى الصوفي في رؤية الله ، حتى يخرج من الحد والمحدود ( أو من الحرف والمحروف ) ، ويرى حجاب الله رؤية ، ورؤيته حجابا . مقام الصوفي هو الرؤية ، وما لم يقف في الرؤية تخطّفه كل كون . الرؤية وصل بين الصوفي والأشياء ، والغيبة تجديد الوصل . رؤية الله