محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

47

الاعمال الصوفية

والموقف الثامن بمجمله هو بالطبع الشاهد الكلاسيكي على موضوع الوقفة ، وينصرف اهتمام القارئ انصرافا كاملا لذلك الموقف ، لأنه يحتوي على جوهر تعاليم النفري . الوقفة الوقفة ينبوع العلم ، حيث يستمد الواقف علمه من تلقاء نفسه ، بينما يستمده غير الواقف من غيره . وللوقفة مطلع على كل علم ، وليس لعلم عليها مطلع . الوقفة روح المعرفة ، والمعرفة روح الحياة . فالوقفة عمود المعرفة ، مثلما أن المعرفة عمود العلم . في الوقفة تحترق المعرفة مثلما يحترق العلم في المعرفة . والوقفة وراء البعد والقرب ، والمعرفة في القرب ، والعلم في البعد . لأن الوقفة حضرة الله ، والمعرفة خطابه ، والعلم حجابه . إذن لدينا : الوقفة ( المعرفة ( العلم . الوقفة باب الرؤية ، وهي تعتق من رق الدنيا والآخرة . إنها نور الله الذي لا يجاوره الظلم . إنها يد الله الطامسة التي ما أتت على شيء إلا طمسته ، ولا أرادها شيء إلا أحرقته . إنها أيضا ريح الله التي من حملته بلغ إليه . لكنها ، مع ذلك ، لا تفضي إلى الله كما لا تفضي المعرفة إليها ، ولا العلم للمعرفة . لأنها جوار الله ، والله غير الجوار . ولو صلح لله شيء صلحت الوقفة ، ولو أخبر عن الله شيء ، أخبرت الوقفة . الوقفة تمحو الخواطر بنوريتها وتعرّف الأقدار . إنها نار السوى ، ونار الكون . إنها انبثاق من الحرف ، ونار تحرق المعرفة ، لأنها تبيّن أن المعرفة سوى . الوقفة تنفي ما سواها ، كما ينفي العلم الجهل . وبينما ترى المعرفة الله ونفسها ، ترى الوقفة الله فقط . المعرفة حد ما يقال ، والوقفة وراء ما يقال . لو خرج الصوفي عن الوقفة التي تقربه من الله ، لانتهبته المكونات . إن الوقفة مستحيلة حقا ، ما دام للسوى جاذب ، لكنها توضح حد السوى ، حتى يخرج الصوفي عن السوى . الواقف لا يصلح الواقف على العلماء ، ولا تصلح العلماء عليه . والعارف يشك في الواقف ، ولا يقدر قيمته حق قدرها ، لكن الواقف لا يشكّ في العارف . والواقف وحده يجمع بين العلم والحكم ، لأنه يرى العلم ولا يروقه الحسن ، ولا يروعه الروع . وكل واقف عارف ، وما كل عارف واقف . يخبر الواقف عن الله ، ويخبر العارف عن المعرفة . وقلب الواقف على يدي الله ، وقلب العارف على يد المعرفة . والعارف ذو