محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

38

الاعمال الصوفية

الفلكيين العرب اسم « الجبار » أو « العملاق » على كوكبة « أوريون » إنما جاء من باب تضخيمه وتأليهه » . ولم تسفر محاولات مطابقة أخرى عن جدوى كبيرة . لقد رغب راولنسن أن يجد في « نفر » مدينة « بيبلي » الإغريقيّة التي ذكرها بطليموس « 5 » ، وكان ذلك مجرد تخمين عشوائي . وطابق أيضا بينها وبين « كلنة » المذكورة في ( سفر التكوين 10 : 10 ) ، غير أن هذه النتيجة أهملت من لدن العموم في الوقت الحاضر . ويقول راولنسن إن نفّر هي نفسها « عفار » أو « أوار » لدى البابليين . يبقى إذن أن نستخلص أن نفر هي المدينة البابلية المهمة « نيبر » بعينها ، التي سقطت في أزمنة النحس ، وكان قد حكمها حكام متتابعون ، وظلت مكانتها تتناقص بالتدريج ، حتى اختفت ، سواء أكان ذلك نتيجة الجدب وحده أم نتيجة كارثة طبيعية ، من ذاكرة الناس ، ليستعيدها بعد قرون متطاولة مغامرون جاءوا من المحيط الأطلسي . وهكذا هي مصائر الناس والإمبراطوريات ، ترتبط ارتباطا حميما وتتشرذم تشرذما مطلقا . هذه هي نفّر إذن . ولا بدّ أن النفري ، إذا سلّمنا أنه كان من أهلها أو اتّصل بها على نحو ما ، قد استلهم من وحي تاريخها الغريب ، المنقسم بين مجدها الغابر ووحشتها الحاضرة ، إذ لم تعد توجد سهولها التي كانت تضجّ بالمسير المنضبط للجيوش الشبحية ولم تعد معابدها المهدمة مسرحا لرقصات لا يتذكرها الآن أحد ، ولم تعد صيحات أهل أسواقها وخفّة سكانها تعكّر صفو شوارعها الصامتة . وحين كانت النجوم تسطع خفيضة في الليل ، ويعيد حزام « أوريون » الوهّاج إلى البال أساطير العملاق الذي أوغل في طموحه ، كان هذا السائح المتوحد يجد القوة والعزاء في رؤية الله الواحد الحق الذي يعوّض حبّه عن كل محبوب فان يضمّه هذا العالم . فإلى ذكرى تقواه وإخلاصه الذي ما زال حيّا ، نحن الذين عشنا بعد مرور ألف سنة على وفاته ، بعد أن بحثنا في مكتبات أوروبا وإفريقيا نهدي الآن هذه الطبعة من كتاباته وترجماتها .

--> ( 5 ) في مخطوطة كتاب بطليموس وردت ( ) وقد عدلها مولر إلى ( ) : وهي مدينة ذكرت في قائمة المدن في إقليم بابل . ولم يعثر على إشارة إلى هذا المكان لدى الكتاب القدماء أو كتاب العصور الوسطى ، ويعتقد مولر أن هويتها لغز من الألغاز . ويصفها فرانكل بأنها موقع في بابل استنادا إلى الفقرة التي أوردها بطليموس عنها .