محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
19
الاعمال الصوفية
الحالة عن تحرير كتاباته من دون دليل آخر ، ولكن من المهمّ أن نتذكّر دائما أن النفّريّ لم يكلف نفسه عناء جمع كتاباته » . في الواقع أن النفّريّ ما كان بمستطاعه أن يكون « محرّر » كتاباته ، مثل سقراط تماما . كان مشروعه يتمثل في تدوين « الرؤية » ، لا في تدوين « الكتابة » أو تحريرها . وكان لا بد من وجود ابن له أو حفيد أو مريد يتولى جمع شظايا كتابته ، ليستخرج منها « رؤية » شيخه عبر كتابة تريد الانشقاق على ذاتها . هنا نعود مرة أخرى إلى ما أثار دهشة سامي اليوسف . لقد قرن إغفال معاصري النفّريّ له بوجود أزمة اعترت التصوف بعد محنة الحلاج ، كما رأينا . لكننا نجد أن مشروع النفّريّ نفسه ينطوي على تناقض داخلي في موقفه من الكتابة . وهو ما يستدعي بالتأكيد أن يكون له مريد قادر على إيصال الرسالة التي غلّفها الشيخ بالصمت . والجانب المعرفي الآخر في تجربة النفّريّ مع اللغة أنه كان يشعر بعجزها وضعفها وقصورها : « وقال لي : المواجيد بالمقولات كفر على حكم التعريف . وقال لي : لا تسمع فيّ من الحرف ، ولا تأخذ خبري عن الحرف . وقال لي : الحرف يعجز أن يخبر عن نفسه ، فكيف يخبر عني ؟ وقال لي : أنا جاعل الحرف والمخبر عنه » ( ص 60 ) . نفي الصفات من الضروري أن نعرف أن الشعور بعجز اللغة كان ملازما للمتصوفة جميعا ، ولم يكن خاصا بالنّفريّ . وها هو التوحيدي معاصره يشكو من ذلك قائلا : « إرادة مشوبة ، وحال مختلفة [ لعل الصحيح : مختلّة ] ، وعلامات متّهمة ، وطمأنينة قلقة ، ومعرفة مدخولة ، ولغة عجماء ، وعين طموح ، ولفظ جريش ، وخلق عسر ، وبال خاثر ، وقول كلما رام استنارة ازداد ظلاما » « 14 » . بل إنه ليقترب من تجربة النفّريّ حين يقول : « إلهي ، كلّ ما أقوله فأنت فوقه ، وكل ما أضمّنه فأنت أعلى منه ، فالقول لا يأتي على حقك في نعتك ، والضمير لا يحيط بكنهك » « 15 » . تجربة النفّريّ مختلفة لأن الأمر فيها لا يتعلق بعجز اللغة عن نقل التجربة الروحية وحسب ، بل هو أخطر من ذلك بكثير . فاللغة لا تستطيع أن تعبر إلا عن صفات النهائي والمحدود . أما اللانهائي واللامحدود ،
--> ( 14 ) التوحيدي : الإشارات الإلهية ، ص 160 . ( 15 ) المصدر نفسه ، ص 230 .