محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
13
الاعمال الصوفية
على التسمية . ولكن النفّريّ يزهد فيه لأنه لا يريد العلم والمعرفة ، بل يريد الرؤية . والذي يهمّنا هو تلميح النفّريّ إلى أصله العراقي . تراتب الملكات الفكر الصوفي بطبيعته فكر تراتبي . ولا يقتصر هذا التراتب على المنزلة المعرفية أو الاجتماعية للشخص ، بل هو يشمل درجات تلقي الاتصال . والمقولات الأساسية التي ينطوي عليها مذهب النفري هي : العلم ، والمعرفة ، والوقفة . وهي تخضع لتراتب دقيق . في الدرجة الأولى هناك العلم ، لكن العلم أضعف درجات الاتصال . ثم تأتي المعرفة ، التي تزيد عن العلم وتشترطه ، وتشكل بابا للوقفة . هكذا يكون العلم مدخلا للمعرفة ، والمعرفة مدخلا للوقفة . والوقفة ، في النهاية ، هي نور الله الذي لا تجاوره الظلم . لكنها مع ذلك لا تفضي إلى الله ، كما لا تفضي المعرفة إليها ، ولا العلم للمعرفة . والسبب أنها جوار الله ، والله غير الجوار . وهذا التراتب في درجات الاتصال والكشف هو الذي يعبّر عنه آربري مقتبسا عبارات النفري في مقدمته بقوله : « في الوقفة تحترق المعرفة مثلما يحترق العلم في المعرفة . والوقفة وراء البعد والقرب ، والمعرفة في القرب ، والعلم في البعد . لأن الوقفة حضرة الله ، والمعرفة خطابه ، والعلم حجابه . إذن لدينا : الوقفة ( المعرفة ( العلم » . كان التلمساني قد لاحظ الترتيب الفلسفي الذي أشار إليه آربري ، عند شرحه « موقف الوقفة » ، فقال معلقا على عبارة النفّريّ في قوله : « الوقفة روح المعرفة ، والمعرفة روح العلم ، والعلم روح الحياة » ما نصّه : « معناه أن الحياة إن لم يصحبها علم كانت حيوانية بهيمية ، وإن صحبها العلم كانت إنسانية أو ملكية ، فالعلم هو الذي رقى من هو له عن درجة البهائم الشبيهة بالأموات ، فصيّره في درجة الحياة التي تبقى بعد الموت ، فهو روح الحياة . لكن العلم إن لم يظفر بالحكم فهو ميت . فإذا ظفر به كانت المعرفة باطنه ، فالمعرفة هنا روح هذا العلم ، يعني : العلم النافع . لكن المعرفة هي أيضا ظاهر الوقفة ، فالوقفة روحها . فنسبة الحياة إلى العلم كنسبة العلم إلى المعرفة ، ونسبة العلم إلى المعرفة كنسبة المعرفة إلى الوقفة » « 9 » .
--> ( 9 ) التلمساني ص 127 .