الحكيم الترمذي

88

كيفية السلوك إلى رب العالمين

صيّره ذا قلب ؛ لأنه خلقه بمشيئته لنفسه ، وسبقت مشيئته فيه ألوانا ، فإنما تقلّبه بمشيئاته لينظر هل يمضي هذا العبد مع مشيئاته مسرعا ؟ من السرعة كأنه يبادر إرادته محبّا له ومشغوفا به ، فإذا بدت له مشيئة في أمر نسبي الأمر ؛ لحلاوة حب مشيئته ، ونسي نفسه ، فهو يسعى مع مشيئته في تلك الأمور ركضا وطيرانا ، يتلمّظ حلاوته بالشفتين ، وإن كانت نفسه تنقطع فيه ، وحرفيّته تذهب ، وعمره يفنى ولا يمضي ، فيتردد ، ويتثاقل بعمله على عبوس وتردّد واسترخاء الشفّة في ذلك الأمر ، وينظر إلى حكم العزيز الماجد نظرا شزرا ، كالبعير النافر الذي لم يألف مالكه ، فخلقنا خلق عجيب لا يشبه أحدا ؛ لأنه خلقنا لحبّه لنا وفرحه بنا . ومن خلق لهذا اقتضى منه الخدمة والكون بين يديه ؛ لاختلاف المشيئات التي لخالقها عليك ، ويجريها لك لا نسبة بعضها بعضا ، فلما خلقك من الخلق كذلك خلق الإبل ، وسائر الخلق يعودون إلى الأصول التي منها خلقوا ، فمن خلق من التراب عاد ترابا مثل البهائم والطيور ، ومن خلق من النار مثل الشمس والقمر عاد إلى النار التي منها خلق ، ويبقى الآدمي في أبديته . فمن خدمه فهم خير البرية ، لهم جنات عدن خالدين فيها أبدا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] ومن أبق من الخدمة فهم شرّ البرية في جهنم خالدين فيها ، كما أنبأنا اللّه تعالى في تنزيله ، فوفارة الخدمة ربما فيها حسب طاقته للآدمي أن يمضي قلبه مع مشيئات اللّه تعالى في جميع الأمور والأحوال في كل الأوقات ، راضيا عن اللّه ، لا يشاء إلا ما شاء اللّه ، فقد افتقدت مشيئة نفسه بمشيئة اللّه عزّ وجل ؛ لأنه كان للعبد مشيئة شهوانية حلوة ، فلمّا جاءت مشيئة اللّه وجد في قلبه حبّا لمولاه قد شغف ، وأخذ بمجامع قلبه حلاوة ذلك الحب فلم نجد لحلاوة مشيئة القلب مساغا في القلب ؛ لأن حلاوة مشيئة اللّه قد أخذت قلبه فملأته ، فلم يبق لحلاوة حبّ الشهوات موضعا ، فتلاشت في جنب حلاوة الحب ، فنحن محبّون ، واللّه وسائر الخلق محبوب إليه جبرهم للتسخير لنا ، ولا مشيئة فيهم ، خلقنا لحبّه ، وخلق سائر خلقه لجبره ، فقاموا كلهم في جبره لا يزولون ، وخلقنا فقمنا في حبّه ، فصار الحب قيامتنا . وفي الحبّ الفرح والحلاوة والحياء ، وهذه الأشياء حشو الحب ، وكان من تدبيره فينا أن خلق النار ، وخلق ببابها زينة وأفراحا ، وتلك الحمرة فيها ، وهي من الشيطان ، والشيطان خلق منه الموت ، فكذلك صارت هذه الأفراح التي في الشهوات تميت