الحكيم الترمذي

86

كيفية السلوك إلى رب العالمين

فإذا قهر الروح والقلب ذبلا واختضعا ، وفي النفس مرارات ، وفي الروح شغل ، فإذا نال حبه صار على ما وصفنا ، فاستراح . فأيّد اللّه تعالى الأنبياء صلواته وسلامه عليهم والأولياء بهذا الحب ، حتى صفت لهم العبودية ، وجروا في ميدان المشيئة على الجود ، والسماحة ، وبذل النفس ، وهشاشة الروح ، وبشاشة القلب . مسألة : [ في القلب ] قال أبو عبد اللّه رحمه اللّه : خلق اللّه الآدمي ، وخلق في جوفه بضعة من لحم سمّاها قلبا لتقلّبه ، وجعله أميرا على الجوارح ، ووضع في القلب معرفته والعلم به ، فوكّل القلب بحفظ الجوارح ، وتوكّل هو بحفظ القلب وإمساكه ، ولم يكله إلى أحد ، فهو مقلّب القلوب على مشيئته ، ووكلّ به العقل ، ووضع في العقل المعرفة والعلم باللّه ، وجعل بطنه في معدن الشهوات ، ووضع فيه الشهوة للأشياء ، ووكّل به الهوى ، ووضع الهوى في ظلمة الجهل باللّه ، والعقل بما فيه من المعرفة باللّه والعلم باللّه يسوق قلبك إلى اللّه ، والهوى يدعو نفسك إلى الشهوات الفانية ، وإنما هما ريحان ، في كل واحدة منها حياة ، إحداهما سماوية والأخرى أرضية ، واسم إحداهما الروح ، والأخرى النفس ، ومسكن الروح في الرأس ، وهو منفش في جميع الجسد ، ومسكن النفس في البطن ، ثم هو منفش في جميع الجسد ، فإذا نام خرجت النفس فعرجت إلى اللّه ، وبقي الروح في القلب ، وأصل النفس موثقة بالروح ، فهي تغط ولا تقدر أن تخرج أصلا حتى لا يبقى شيء ، فغطيط النائم من أجل ذلك ، فإذا بعدت مسافتها وعلت سكن الغطيط ، وذهبت الحركات ، وهدأت الجوارح كأنه مات ، وذلك لقلة ما بقي من النفس في الجسد ، ولم يبق إلا الوثاق ، وخرج علمها . وذلك قوله - تعالى - : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر : 42 ] ، فأعلم العباد أن هذا القلب أمري ، وكنوزي فيه ، وعهدي عنده ، وجودي حوله ، وأعطيته من جميع الأحشاء عينين على فؤاده في صدره ، وجعلت صدره مجلس التدبير والقضاء والحكم ، وفصل ما بين الحق والباطل من الأمور ، وجعلت له سمعا يعي عني كلامي الذي خاطبته به ، وبصرا في عينيه يصير له باطن الأمور معاينة ، وغائب الأوقات مشاهدة ، وفي ذلك البصر نوري ، وفي ذلك السمع نور حياتي ، وجعلت له همّا يهم ، فهمه أن يهيم على وجهه في طلبي حتى يجدني ، فإذا وجدني كان لي وكنت