الحكيم الترمذي

81

كيفية السلوك إلى رب العالمين

فانظر ما الذي تقتضي من عبدك ، كيف يريد أن يكون لك ؟ يكن لمولاك مثل عبدك لك ، فانظر ما الذي تحب لنفسك فأحب لخلقه مثل ذلك ، فقد انتظم هذان جميع العبودة ، وأن اللّه تبارك اسمه اتّخذ من أجل العباد كسوة ، ولا حاجة له إلى الكسوة ، فالرحمة قميصه والعزّ إزاره ؛ فهذا منّه للعباد ، ثم أرسل القميص من جوانب عرشه ، وخلق منه الرحمة ، فوضعها في الجسد ، فمن وصلها فإنما يتّصل بالقميص ، ومن قطعها انقطع ذلك من القميص ، وكذلك كان كعب يخرج على من جلس إليه وهو قاطع لرحمه ، ويذكر عن التوراة . وكذلك روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم » « 1 » . وكان يكره أن يحرم القوم نزول الرحمة من أجل ذلك القاطع ، والرب اسمه ، واللّه اسمه والرحم منه بدا ، والنار من نوره بدت ، واليوم من كلمته : ( كن ) ، وتلك كلمة سلطان لا تشبه الكلمات المتقدمات من قوله ؛ لأن قوله : ( كن ) فيما مضى ، كلمة قدرة وربوبيّة وهذه الكلمة كلمة قدرة وسلطان . ألا ترى أنه قال : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) [ القمر : 50 ] ، وهو قوله : ( كن ) ، ثم قال في ذكر الساعة : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [ النحل : 77 ] أي : أقرب من لمح البصر ، لا كلمة زجرة وسلطان . ألا ترى إلى قوله : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 ) [ الصافات : 19 ] كأنما خلق ذلك اليوم بكلمته ، وهي كلمة سلطان وزجرة ، ندب العباد إلى أن يتّقوا هذه الأسماء الخمسة ، فيجعلوا أنفسهم في وقاية من ذلك ، فإنه وضع في كل اسم منها إذا برز لم يقم له ، والتقوى أصله ، وقوي لأنه من وقي يقي وقاية . فصيّروا عند الافتعال الواو تاء فقيل : تقوى ، وإنما هو : أو تقى يوتقي ، فأدغمت الواو في التاء .

--> ( 1 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ، باب لا تنزل الرحمة . . ، حديث رقم ( 63 ) [ 1 / 36 ] ورواه غير هما . رواه البيهقي في شعب الإيمان ، السادس والخمسون من شعب الإيمان ، حديث رقم ( 7962 ) [ 6 / 223 ] .