الحكيم الترمذي

78

كيفية السلوك إلى رب العالمين

فيقال : عملت كذا يوم كذا ، وكذا يوم كذا ، [ فتبدل ] كل سيئة عملها حسنة ، فيقول : إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا ، فلقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه » « 1 » . وروي في الخبر أن إبراهيم خليل اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : يا كريم العفو ! فلقيه جبريل عليه السّلام ، فقال : يا إبراهيم هل تدري ما كريم العفو ؟ قال : أخبرني يا جبريل ، قال : إنه لم يرض بالعفو من السيئة حتى أبدله مكان كل سيئة حسنة . وهذا أمر غامض دقيق لا يعرفه إلا العارفون ، أعني قوله : يتمنى أنه قد استكثر من السيئات ، والسيئات ليست من محبوب اللّه ، فهذا كأنه يستحيل في معقول الصادقين ، ففزعوا من هذا القول إلى أن ردوه ، وتأوّلوا أن هذا التبديل في الدنيا ، وإنما استحال عنده ؛ لأنه نظر إلى تدبير اللّه الذي وصفه فيما بينه وبين العباد أن السيئات مهجورة قبيحة ، ولصاحبها الفرار منها يوم القيامة ، والحياء من اللّه - سبحانه وتعالى - فكيف يتمنى أنه قد استكثر منها ؟ فتأوّلوا التبديل مكان الشرك توحيدا ، ومكان المعصية طاعة ، فهذا تأويل بعيد ذو اضطراب . ومن مثاله في هذا الباب أنه إذا تاب صار هكذا ، وقد قال في الآية الكريمة : « إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [ الفرقان : 70 ] ، فهذا فعل العبد . ثم قال : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ، فالتبديل فعل اللّه بالعبد بعد التوبة والعمل الصالح ، فمن أصغى سمعه إلى هذا التأويل فاته حلاوة ما في الآية من عظيم صنعه بالعبد ، وإنما يصف الكريم مجده حتى يعرفه العباد بالمجد والجود ، فيرمون بأنفسهم إليه بدلا . فهكذا يكون تفسير : مَنْ تابَ : منزلته من اللّه ، فهو من المعارف لا من الأحباب ونحن نقول بلسان الأعجمية : لمثل هد إين : إنسان ، است أود وره دورست : هم باري ، إن هذا منزلته من ربّه من المعارف لا من الخلطاء وأهل الأسرار ، فصاحب هذا خلص إلى المقادير ، فطالعها بقلبه ، يعني : ليس من المعارف الذي يباسط في المداعبة والملاعبة ثم يخطئ إلى البدء ومن قبل المقادير . فمن هناك عرف الحسنات والسيئات ، وإنما صارت السيئات ذات حشمة بعد أن

--> ( 1 ) رواه ابن السري في الزهد ، باب الخروج من النار ، حديث رقم ( 211 ) [ 1 / 155 ] .