الحكيم الترمذي
59
كيفية السلوك إلى رب العالمين
ولطائف حسن الرعاية جملت وشملت وكثرت لم يبق النظر إلى حركات النفس وأعمالها على سبيل ما يرى في كل لحظة وطرفة من لطائف الرب جل وعلا . وأبيّن لك شيئا من صفة هذه القلوب التي يتولاها ربها . اعلم ، رحمك اللّه ، أن قلوب أولياء اللّه خزائن الحكمة ، ومواضع الرحمة ، ومعادن المشاهدة وكنوز المعرفة ، وبيوت الكرامة ، ومواضع نظر اللّه جل جلاله إليها برحمته ، ومزرعة رأفته ، وأواني علمه ، وأخبية حكمته ، وأوعية توحيده ، ومواضع فوائده ، ومساكن عوائده وأكنة أنوار من نوره . ينظر إليها برحمته في كل لحظة ، فيزيد أنوارها ، ويصلح أسرارها ، وقد زيّنها اللّه بنور الإيمان ، وأسّسها بالتوكل على الرحمن ، وحشاها من لطائف الامتنان ، وبنى حيطانها من فوائد الإحسان ، وطيب أرضها بنور الحق والهدى حتى طابت تربتها من خبث الشرك والشك والنفاق وسائر الفواحش . فهذه الأرض أرض المعرفة سقاها اللّه من بحر الرضى حتى نبتت فيها من أنوار النفس ، وأيّدها بحسن معالجة أصحاب البساتين ، وهم السادات من المتقين ، وأخرج أكمامها بريح متابعة سيد المرسلين ، وربّاها بالرياح الربّانية : ريح الرحمة وريح الرأفة وريح الظفر وما يشاكلها من رياح الربوبية ، وأنضج أثمارها بحر شمس المعرفة ، وزادها بمضي ليل الافتقار ونهار الافتخار ، وأحسن لون فواكهها بصبغة اللّه ، وهي بيان أحكام الشريعة واستمساك العبد بالعروة الوثقى ، وطيّب طعمها بالتمسك بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام . ثم وضع سرير المحبة على أرض الحق المطيّب ترابها بنور اللبّ المؤيد بنور التوفيق المغذى بغذاء التصديق المؤسس بأسلس التحقيق المسدّد بركنه الوثيق ، وبسط على هذا السرير الفرش الوثير من الحول والقوة ، وألقى عليها من نمارق التضرع والاستكانة ، وجعل متكأه الاستقامة ، واعتماده على اللّه أن يثبته على الحق ولزوم الجماعة ، ثم أجلس على هذا السرير عبده ووليه مسرورا ومؤيدا ومنصورا ، وقد ألبسه لباس التقوى ، ونزع عنه ثياب التكلف والدعوى ، وخلع عليه كرامته من خزائن فضله ، وشدّ أزره بمنّته وتوفيقه ، وتوجّه بتاج ولايته ، وغسله بماء بره ورعايته ، وزاده طهارة من بحر هدايته ، وأطعمه من حلاوة ذكره ومحبته ، وسقاه شرابا طهورا بكأس التوحيد من بحر التفريد ممزوجا بحلاوة وصلته حتى صار قائما باللّه غائبا سره عمن سواه ، قد ذلت نفسه عند ظهور عزته ، وتلاشت عن التكلف عند رؤية نصرته ، فقامت نفسه في خدمته كالعبد المحجور أو كالمضطر المقهور أو كالأسير المأسور ، ثم نظر إليه ربّه نظرة رحمته ، فنثر