الحكيم الترمذي

54

كيفية السلوك إلى رب العالمين

السلام : « إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللّه العافية » « 1 » . فتفكّر ، رحمك اللّه ، في حال من وقع عليه هذا البلاء ، ونزع عنه لباس العافية ، فكيف يكون عيشه . أما بلغك ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه في كل حال وفي كل وقت ؟ إذا شرع في صلاته سمع له أزيز كأزيز المرجل ، وكان يتغير لون وجهه إذا هاجت ريح وظهرت حادثة . ولكن الغفلة فينا حجبتنا عن مشاهدة ما شاهد أهل المعرفة ، وملأت خواطر قلوبنا عن مثل هذه الحالات . وقد ذمّ اللّه تعالى أقواما فقال : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الروم : 7 ] . وهذا العبد الذي غرق في نور التوحيد واشتدّ بلاؤه ، فهو في عيش رغد ، طابت حياته مع ربّه . قال اللّه تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] . فهذا العبد قد نسي الحلاوات كلها عند حلاوة ذكره وطاعته ومعرفته ومحبته . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا » « 2 » إلى آخره . وقال عليه السلام : « ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، ورجل كره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النار ، ورجل أحبّ عبدا لم يحبّه إلّا للّه » « 3 » . وليس هذا موضع شرحها . فهذا عبد سقاه اللّه من بحر الهدى شرابا ، ووجد حلاوته ، فهو كالمجنون عند الناس ، وقد زيّنه اللّه تعالى بأحسن اللباس ، وعصمه من شرّ الوسواس وفضّله على كثير من الناس ، ولا تدرك أحوال هذا الموحّد بالنظر والقياس ، وخصّه اللّه تعالى بقوة من عنده في جميع أحواله بما لا يدرك ذلك بالعقول والحواسّ . قال اللّه تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 257 ] ، وقال : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ

--> ورواه غير هما . ( 1 ) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، رقم ( 6646 ) [ 12 / 161 ] . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب الدليل على أن من رضي باللّه ربا ، حديث رقم ( 34 ) [ 1 / 62 ] والترمذي في السنن ( باب 10 ) حديث رقم ( 2623 ) [ 5 / 14 ] ورواه غير هما . ( 3 ) روى نحوه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب حلاوة الإيمان ، حديث رقم ( 16 ) [ 1 / 14 ] والنسائي في السنن الكبرى ، [ باب ] حلاوة الإيمان ، حديث رقم ( 11719 ) [ 6 / 527 ] ورواه غير هما .