الحكيم الترمذي

51

كيفية السلوك إلى رب العالمين

الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : 27 ] ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مدح هذه الأمة : « الإيمان في قلوبهم كالجبال الرواسي » « 1 » . وهو موضع علم النفع ، ونور المعرفة أوسع وضياؤها أرفع لأنه معدن الرؤية ، والرؤية آكد من الخبر لأن « الخبر ليس كالمعاينة » . ونور التوحيد هو أعظم الجبال ، ومثله في الجبال كمثل جبل قاف عند سائر الجبال . فجبل نور الإسلام ينتهي حدوده إلى مجاهدة النفس وصالح أعمالها ، وأهل الإسلام هم في درجات متفاضلون . وجبل الإيمان ينتهي حدوده إلى التوكل والتفويض . والمشاهدة أجلّ ما لم ير النفس ، والاعتبار بما قد رأى والنظر بنوره إلى ما غاب عن الأعين . وأهل الإيمان في أصل الإيمان متساوون ، وفي مشاهداتهم وما يتولد في أنواره من ثمرات الإيمان وفروعه متفاضلون . وجبل نور المعرفة ينتهي حدوده إلى إحاطة العلم بالبقاء والفناء والعجز والقدرة ، وتنتهي إلى مشاهدة برّ اللّه تعالى ولطائفه . فبهذا النور يعرف الفاني والزائل وحقارته ودناءته ، ويعرف الباقي وقدرته ورفعته ، ويعرف عجز الخلائق وضعفهم . والعارف في هذا المثل كأنه جبل اللّه ، استقرت معرفته برؤية عظمته وكبريائه وقدرته ، ويمسكه ربه ، فلا يزول بإصابة حادثة ولا ينتقل بإصابة محنة ، لأن اللّه تعالى يمسكه بقدرته وبرحمته . ومعنى العين من « عرف » كأنه علم وعرف عزة اللّه وعظمته وعلوه وعلمه ، فذلّت نفسه عند رؤية عزته ، وتصاغرت عند رؤية عظمته ، وتلاشت عند رؤية علوه . ومعنى الراء من « عرف » : رأى ربوبية اللّه تعالى ورأفته ورحمته ورزقه ، فوثق به ، وآمن به ، واعتمد على رأفته ، ورجا من رحمته ، ورضي باللّه ربّا ومدبرا . ومعنى الفاء : فقه في الدين للّه تعالى ، وفهم مراده ، وفارق كان فان ، وفرّ من كل فتنة إلى الفتاح العليم ، وفاق نور قلبه الباقي على كل شيء فان . ووجه آخر : معنى العين عرى قلبه عن النظر إلى غير ربه ، فألبسه تعالى لباس التقوى حتى عاود القلب ملازمة باب مولاه . ومعنى الراء : رأى قلبه كل شيء كما خلقه اللّه تعالى . ومعنى الفاء : فرأى الفاني كأنه قد فني

--> ( 1 ) أورده الذهبي في ميزان الاعتدال ، من طريق عثمان بن عبد اللّه الأموي الشامي ، رقم ( 5529 - 5584 ) [ 5 / 53 ] ، وأورده غيرهما . أورده البستي في المجروحين ، باب العيني ، [ 2 / 103 ] .