الحكيم الترمذي

44

كيفية السلوك إلى رب العالمين

[ الملك : 29 ] . وحافظ الفؤاد هو الرحيم ، قال اللّه تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأعراف : 156 ] ، وقال : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] . ووصف اللّه تبارك وتعالى ربطه قلب العبد ، فقال في قصة أصحاب الكهف : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا [ الكهف : 14 ] ، وقال في قصة أم موسى : لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [ القصص : 10 ] . وقال أهل التفسير : ربط القلب بنور التوحيد ، وذلك أن القلب يعلم والعالم يحتاج إلى ربط التأييد حتى يطمئن بذكر اللّه عز وجل . وأما الفؤاد فإنه يرى ويعاين فيقع له الفراغة ولا يحتاج إلى الربط بل يحتاج إلى معونة المدد بالهداية . قال اللّه تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [ القصص : 10 ] ، فوصف الفؤاد بالفراغة وفضّله على القلب إذ كان القلب يحتاج إلى الربط والفؤاد يرى ويعاين والقلب يعلم ، و « ليس الخبر كالمعاينة . الفصل الخامس واللب هو الجبل الأعظم والمقام الأسلم ، كالقطب لا يزول ولا يتحرك ، وبه قوام الدين ، والأنوار كلها راجعة إليه حافّة حوله ، ولا تتم هذه الأنوار ولا ينفذ سلطانها إلّا بصلاح اللب وقوامه ، ولا تثبت هذه الأنوار إلا بثبوته ، ولا توجد إلا بوجوده . وهو معدن نور التوحيد ونور مشاهدة التفريد ، وبه يصحّ من العبد حقيقة التجريد وضياء التمجيد ، وإن هذا اللب نور مقرون ووزع مغروس وعقل مطبوع ، ليس كالمركّبات في النفس التي هي داخلة ، إنما هو نور مبسوط كالأشياء الأصلية . وهذا اللب الذي هو العقل مغروس في أرض التوحيد ، ترابها نور التفريد ، سقي من ماء اللطف من بحر التمجيد حتى امتلأ عروقه من أنوار اليقين وتولى اللّه غرسه وباشر ذلك بقدرته من غير واسطة فغرسه في جنة الرضي ، ثم عضم هذه البحور بسور الصون ، وأرساه في أزليته وأبديته وأوليته حتى لا تكاد تقترب منه بهيمة النفس بشهواتها أو بجهلها أو سباع مفاوز الضلالة أو شيء من الذوات التي هي طبائع النفس مثل كبرها وحمقها وآفاتها . والرب جل جلاله صاحب هذا البستان ووليه الذي هو أزين من جميع الجنان ، لأنه بستان الإيمان تولى اللّه غرسه وسقيه وتربيته حتى أثمر الشجر نور الإيمان