الحكيم الترمذي
42
كيفية السلوك إلى رب العالمين
لا يفارقه في القبر ولا في القيامة ، ويبقى معه دائما ، قال اللّه تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : 27 ] . وأما أحكام شرائع الإسلام وما كان بناؤه على سبيل التكليف فإنها تنتهي غايتها بالموت ، وكفى به دليلا لمن يقول بكمال الإيمان وأنه لا يزيد ولا ينقص . وهو حجة على من يقول بزيادته ونقصانه ويشبهه بسائر الأعمال ، ويقول بأن الأعمال كلها إيمان ، ويقول إن الإيمان باللسان ، أو يقول في الحقيقة إنه فعل العبيد ، أو يفرق حقيقة معنى الإيمان ومعنى الإسلام . وليس بمصيب منا من يشتغل بما لم يكلّف ، والسكوت للجاهل سلامة والنطق للعالم من اللّه إكرام . ألا ترى أن سؤال العبد في القبر إنما يكون عن الأصول ولا يكون عن الفروع ، يقال له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ولا يقال : ما عملك ؟ ولا : كيف صليت ؟ ويسأل يوم القيامة عن الإيمان أولا ثم عن الأعمال على الولاء ، فيثاب بالأعمال على قدر قوة الأصول وهي النيات . إنما يسمّى القلب قلبا لسرعة تقلبه . قال عليه الصلاة والسلام : « إنما مثل القلب كمثل ريشة في الفلاة من الأرض » « 1 » الحديث . فأخبر عليه الصلاة والسلام طرفا من قدرة اللّه وشيئا من لطفه لعبده الضعيف بتثبيت قلبه على الإيمان وإرسائه على الحق بسرعة تقلبه كيلا يرتفع عن الهدى بحول اللّه وقوته . فالعاقل من لا يضيف فعل القلب إلى نفسه إلا على مقدار ما يليق بالعبودية ، ويسكت عما لا يعنيه ، فإن له من وراء ذلك اشتغالا عن الفصول بما لا يعنيه . ومن انهدم بناء توحيده وأساس إيمانه وأرض معرفته ، فمن غيره يبينه ؟ وقد وصفت أن الإسلام جمع العلم والعمل ؛ والدليل عليه ما أجاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين سأله جبريل « ما الإسلام » ؟ الحديث « 2 » . فاتفقا على أن الإسلام علم وعمل . وأجاب سؤاله عن الإيمان فاتفقا في ذلك جميعا أنه علم ومستقره القلوب . وأما خاصّة أهل الإيمان فإنهم يستفيدون من أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوائد لطيفة لا تهتدي العامة
--> ( 1 ) رواه بنحوه البزار في المسند ، عن أبي موسى برقم ( 3037 ) [ 8 / 49 ] ورواه الروياني في المسند عن أبي موسى برقم ( 568 ) [ 1 / 372 ] وروى نحوه غير هما . ( 2 ) متفق عليه رواه البخاري برقم ( 50 ) [ 1 / 27 ] وبرقم ( 4499 ) [ 4 / 1793 ] ومسلم برقم ( 9 ) [ 1 / 39 ] وبرقم ( 10 ) [ 1 / 40 ] وروى الحديث غير هما .