الحكيم الترمذي
40
كيفية السلوك إلى رب العالمين
وكفى العاقل الموفق إذا تفكر فيها أن يعرف الفرق بين ما حملته النفس وبين ما حمله القلب . ولكن المؤمن هو من اللّه في مزيد من البر في كل لحظة وساعة ، فتعلو مراتبه من جهة مشاهدة لطائف اللّه تعالى ، ويكشف له من حجب الغيب من ساعة إلى ساعة ما لم يكن كشف له قبل ذلك . وكذلك العبد تضعف أحواله أحيانا ، وتشغل مراتب قلبه من جهة الغفلة والأصول على حالها . ومثلها أيضا كمثل السراج يكون في شيء فيرخى عليه الستور ، فهو على حاله من الداخل ، لكن ضياؤه ومنفعته حجبت وولايته عن الانتشار انقطعت . ومثلها أيضا كمثل المرآة تلفّ في ثوب ، فهي في الأصل كما كانت إلّا أن منفعة الظاهر قد انقطعت ، فافهم ، رحمك اللّه ، أن الكتاب المنزل كما كان جبريل عليه السلام تولى إنزاله بعلم اللّه تعالى ، فمعدنه قلب النبي عليه الصلاة والسلام . قال اللّه تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] ، وقال : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ . الفصل الرّابع واعلم أن الفؤاد ، وإن كان موضع الرؤية ، فإنما يرى الفؤاد ويعلم القلب . وإذا اجتمع العلم والرؤية صار الغيب عند صاحبه عيانا ، ويستيقن العبد بالعلم والمشاهدة وحقيقة رؤية الإيمان فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ [ الأنعام : 104 ] والمنة للّه عليه بالهداية والتوفيق بتصديقه ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها [ الأنعام : 104 ] والحجة للّه عليه بتكذيبه . وقال اللّه تعالى في علم اليقين وعين اليقين : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) [ التكاثر : 5 - 7 ] . وأخبر اللّه نبيه موسى عليه السلام أن قومه اتخذوا العجل فاشتدّ غضبه ، ورجع إلى قومه غضبان أسفا لما أيقن بإخبار اللّه تعالى عنهم ، وحمل الألواح ، فلما عاينهم يعبدون العجل ألقى الألواح ، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه . فكذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم و « رحم اللّه أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة » « 1 » . إن موسى أخبره ربه قال : قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ
--> ( 1 ) ونصه كما رواه الحاكم : عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس الخبر كالمعاينة إن اللّه خبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح ( المستدرك ، تفسير سورة الأعراف ، ( 3250 ) [ 2 / 351 ] والطبراني في الأوسط باب من اسمه -