الحكيم الترمذي
37
كيفية السلوك إلى رب العالمين
اعلم ، رحمك اللّه ، أنه ليس من خلق اللّه شيء أطيب من قلب طاب بنور التوحيد والمعرفة والإيمان ، ولا أطهر ولا أنظف ولا أتقى ولا أصفى ولا أوسع إذا طهّره اللّه من الأنجاس وتولى إحياءه بنور الحق وحفظه وحرسه وزاد فيه من الفوائد ، وهو قلب المؤمن ، وليس لأنواره غاية وليس شيء أخبث منه ولا أنتن ، ولا أنجس إذا خذل اللّه صاحبه ، ولم يتول حفظه ، ووكله إلى الشيطان ، وهو قلب المنافق والكافر ، لأنه معدن الشرك والشك والنفاق والريب والمرض . قال اللّه تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التّوبة : 28 ] ، وقال في المنافقين : إِنَّهُمْ رِجْسٌ [ التّوبة : 95 ] ، وقال : في معنى الريب : وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ [ التّوبة : 45 ] ، وقال في معنى الإنكار : قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ [ النّحل : 22 ] ، وقال في معنى المرض : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ الحجّ : 53 ] . وأصل جميع الذنوب قساوة القلب ، قال الحكيم : « إن القلب إذا قسى لا يبالي إذا أساء » . والقلب إذا استنار بنور اللّه ونور الإيمان تولى اللّه حفظه ، وملأه محبة وخشية ، وأقفل عليه قفل القدرة ، ووضع مفتاح المشيئة في خزانة غيبه ، ولا يطلع عليه أحد إلّا في وقت سكرة الموت ، فحينئذ يظهر له ما في غيبه ، وإن القلب إذا امتلأ من ظلمات الكفر والشك والنفاق ، قيّض اللّه لصاحبه شيطانا ، فتولى حفظه وأقفل عليه قفل الخذلان ، واللّه يعلم عاقبته ، وما يؤول إليه أمره ، لا يظهر ذلك لأحد إلى أن يغرغر ، وذلك سر اللّه لا يطلع عليه غيره . فكم من كافر بعيد وفّق بالإيمان فيموت سعيدا ، وكم من مؤمن قريب يخذله ربه فيموت شقيا . واعلم ، رحمك اللّه ، أن قدرة اللّه نافذة ، وأنه لم يطلع على مراده ومشيئته في خلقه وخواتم أعماله إلّا طائفة من الأنبياء ، وذلك علامته لصحة نبوتهم . وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن عشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة كرامة من اللّه وفضلا منه عليه . واعلم أن مدار تأكد وجوب الثواب والعقاب بالقلب ، وفعله بالنفس تبعة ، قال اللّه تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة : 225 ] وإنما هذا في أحكام الآخرة . وأما حكم الدنيا فالنفس تؤاخذ في أفعالها ، وأما فيما بين العبد وبين ربه فإن الحكم بما في القلب . قال اللّه تعالى في شأن عمار بن ياسر : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ