الحكيم الترمذي

35

كيفية السلوك إلى رب العالمين

وجميع هذه الوجوه ليس لبحارها غاية ولا لجواهرها نهاية وقد قال جل جلاله : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 ) [ البقرة : 269 ] . وهذه الوجوه كلها ، ما يجري منها على لسان الحكيم كمثل البحر يموج منه الزبد فيبذه البحر فينتفع به الإنسان ، فكذلك الحكيم ما يجري من الحكمة على اللسان ويعبّر للخلق على لسان البيان كزبد يهيج من بحر القلب ، وزبد البحر ينتفع به من كان به رمد العين ، فكذلك ينتفع من في قلبه مرض حب الدنيا ورمدت عينا قلبه بقول الحكيم ، ويشفي اللّه تعالى صدره مما فيه من الأمراض من حب الشهوات ومثله من الآفات . فهذا طريق باطن العلم وظاهره ، ولا يستغني أحدهما عن الآخر ، لأن أحد العلمين بيان الشريعة وهو حجة اللّه تعالى على خلقه ، والآخر بيان الحقيقة التي وصفت بعضها ، فعمارة القلب والنفس بهما جميعا ، وصلاح ظاهر الدين وقوامه بعلم الشريعة وصلاح باطنه وقوامه بالعلم الآخر ، وهو علم الحقيقة ، والدليل على ذلك أن صلاح الدين بصحة التقوى ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « التقوى هاهنا » « 1 » وأشار بيده إلى قلبه . فمن اتقى بالعلم الظاهر وأنكر العلم الباطن فهو منافق ، ومن اتقى بالعلم الباطن ولم يتعلم العلم الظاهر ليقيم به الشريعة وأنكرها فهو زنديق ، وليس علمه في الباطن علما في الحقيقة ، إنما هو وساوس يوحي بها الشيطان إليه . قال اللّه تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ الأنعام : 121 ] . وأما من كان مسلما مؤمنا صالحا عارفا ، آمن بكتاب اللّه وسنة رسوله وتمسك بالشريعة وعمل بها واقتدى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واتبعه واتبع الأئمة من أصحابه وشاهد بقلبه مع اللّه تعالى على سبيل الافتقار والافتخار به ورؤية الاضطرار من نفسه وترك الاختيار وصحبة الملك الغفار . وقد وفّقني اللّه بمننه حتى بالغت في الشرح والبيان بين الصدر والقلب .

--> ( 1 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب ما جاء في تحريم القذف . . ، حديث رقم ( 16906 ) [ 8 / 249 ] ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة برقم ( 7713 ) [ 2 / 277 ] ورواه غير هما .