الحكيم الترمذي

32

كيفية السلوك إلى رب العالمين

لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، وقال : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ [ غافر : 56 ] . واعلم أن كل علم لا يوصل إليه إلا بالتعلم والتحفظ والاجتهاد والتكلف من جهة السمع والخبر قرآنا كان أو حديثا أو غيره ، فإن موضعه الصدر ويجوز عليه حكم النسيان ، قال اللّه تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ العنكبوت : 49 ] . وهو العلم الذي تتهيأ عبارته وقراءته وروايته وبيانه ، ويمكن في صاحبه النسيان ، لأن النفس هي التي تحمله وتحفظه ، وهي مطبوعة على النسيان ، فربما ينساه بعد التحفظ وبعد جهد كثير . والصدر في هذا المعنى كظهر القلب ، يقال فلان يقرأ عن ظهر قلبه . ومع هذا الجهد ربما غلط وسها وشك في محفوظه . والصدر أيضا من القلب كالصدفة من اللؤلؤة ، ربما دخل في الصدفة شيء غير اللؤلؤة مثال الماء وما يشبهه ، ثم يخرج منها ، وليس في اللؤلؤة موضع غير تدخل فيها شيء اللهم إلا أن يرفع فحينئذ يصير موضعه خاليا يسع في مكانها شيء آخر . الفصل الثّالث والعمى والبصر يضاف إلى القلب ولا يضاف إلى الصدر ، قال اللّه تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحجّ : 46 ] ، هذا هو الطريق الظاهر . وأما من جهة مجاز اللغة وتعارف الناس ربما يعبر بلفظة الصدر عن القلب ، قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [ آل عمران : 29 ] ، وقال : وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [ آل عمران : 118 ] ، وقال : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) [ القصص : 69 ] . وعنى بذلك القلب ، ولكن عنى بها كلها قلوب الكفار ، لأن صدورهم وقلوبهم صادّة موصدة لخلوها عن نور الهدى . وهذا النوع من العلم لا يستقر في الصدر ولا يتمكن فيه إلا بعد التكرار وجهد الاعتبار والمواظبة عليه ، لأنه مثل الطريق وخاصة لما دخل فيه من الخارج مثل المسموع . فأما ما خرج إليه من داخل القلب من لطائف الحكمة وشواهد المنة فاستقراره في الصدر متمكن ، وإنما لا يثبت في الصدر هذه الأحوال لأنه موضع ورود الأشغال والحوائج لأنه كالفناء للبيت الذي في الدار ، وقد يدخل في الدار من الخدم والحشم والجيران والأجانب وغيرهم في أوقات ولا يدخل في البيت الذي يدخل فيه صاحبه إلا ذو رحم أو محرم أو قريب أو صديق . وقد يعبّر من جهة مجاز اللغة أيضا