الحكيم الترمذي
30
كيفية السلوك إلى رب العالمين
نبيه صلى اللّه عليه وسلم : [ الشّرح : 1 ] أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) ، فمنّ اللّه بشرح صدره بأنوار حق الإسلام حتى ضاق صدره عن وسع الباطل . وصدر المؤمن بضيق أحيانا من كثرة الوسواس والغم والشغل وتتابع الحوائج وبلوغ الحوادث وإصابة المصائب ، ويضيق أيضا إذا سمع باطلا فلا يحمل قلبه ذلك ، لأن اللّه تعالى وسع صدره بنور الإسلام فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزّمر : 22 ] . وأما صدر الكافر والمنافق فإنه امتلأ من ظلمات الكفر والشرك والشك ، واتسع لها ، فلم يبق فيه مكان لنور الإسلام ، وضاق عن وسع نور الحق فيه . قال اللّه عز وجل وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [ النّحل : 106 ] ، وقال فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] ، فبيّن اللّه تعالى أن الصدر إذا امتلأ من ظلمات الكفر ضاق عن وسع أضدادها من الأنوار . وصدر المؤمن مكان نور الإسلام فيه . والإسلام اسم جامع لدين اللّه تعالى ، ويضيفه للعبد أيضا لقوله عليه السلام : « الإسلام إقرار باللسان وعمل بالأركان مع تصديقه بالإيمان ومشاهدته بعض صنائع الرحمن » « 1 » ، كما أن العين والحرم والدار والقنديل واللوز أسماء جامعة . والإسلام اسم عامّ يشتمل على الإيمان والقول باللسان والعمل بالأركان . ولكن الإسلام له ظاهر وباطن ، فظاهره ربما حمله المنافق وشرك أهل الإسلام فيه ظاهرا وهو في الباطن كافر ، قال اللّه تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا [ الحجرات : 14 ] ، فبيّن اللّه تعالى أنهم لم يؤمنوا بعد إلا أنهم أسلموا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم . وأما باطن الإسلام فهو الانقياد لرب الأنام وتسليم النفس والقلب لما يجري عليه من الأحكام ، قال اللّه تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ البقرة : 112 ] ، فهذا هو المسلم حقا الذي يشاكل نور إسلامه نور الإيمان ونور الإحسان ، فتعاونت وتواصلت وتشاكلت . قال
--> ( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن . . ، حديث رقم ( 210 ) [ 1 / 440 ] والبيهقي في شعب الإيمان ، باب الدليل على أن الطاعات كلها إيمان . . ، حديث رقم ( 17 ) [ 1 / 48 ] .