الحكيم الترمذي
28
كيفية السلوك إلى رب العالمين
ومثل اللب في الفؤاد كمثل نور البصر في العين ، وكمثل نور السراج في فتيلة القنديل ، وكمثل الدهن المكنون في داخل لب اللوز . وكل واحد من هذه الأشياء الخارجة وقاية وستر للذي يليه من الدخل ، وكل واحد منهن يشاكل الباقيات الأخر ، فهي أشكال متعاونات قريبة المعاني بعضها من بعض ، موافقات غير مخالفات ، لأنها أنوار الدين والدين واحد وإن كان مراتب أهله تختلف وتتنوع . وهذا اللب موضع نور التوحيد ونور التفريد ، وهو النور الأتّم والسلطان الأعظم . وبعد هذا مقامات لطيفة وأمكنة شريفة ولطائف ظريفة ، والأصل لهن جميعهن نور التوحيد ، فالتوحيد سرّ والمعرفة برّ ، والإيمان محافظة السر ومشاهدة البر ، والإسلام الشكر على البر وتسليم القلب للسر ، لأن التوحيد سر بهداية اللّه تعالى للعبد ودلالته إياه عليه ، ولم يكن العبد يدركه بعقله لولا تأييد اللّه تعالى وهدايته له . والمعرفة برّ من اللّه تعالى له إذ فتح اللّه له باب الآلاء والنعماء مبتدئا من غير استحقاق من العبد لذلك . ومنّ عليه بالهدى حتى آمن بأن هذا كله من اللّه تعالى ، منّة عليه نعمة ومنة ، لا يقدر على شكره إلا بتوفيق اللّه ، وذلك أيضا نعمة جديدة منه عليه ، فهو يشاهد بر اللّه ويحافظ سره ، إذ هو الموفق ، لأنه لا يدرك كيفية ربوبيته ، فعلم أنه واحد ، ويجتلب التشبيه والتعطيل والتكييف والتجنيف ، فهذا هو الإيمان الذي هو يشاهد البر ويحافظ السر . وإن الإسلام هو استعمال النفس في بر اللّه بطاعته بالشكر والاستقامة وتسليم الربوبية إليه والإعراض عن إدراك السر والإقبال إلى العبودية والدوام على ما يقر به إليه ، لأن الإسلام إنما يقام بالنفس والنفس هي عمياء عن إدراك الحق ومشاهدته ، ولم يكلف النفس إدراك الحقائق ، ألا ترى أن العبد أمر بالإيمان بالقلب ، ولم يكلف بإدراك ما آمن من جهة الكيفية ، إنما عليه الاتباع والفرار من الابتداع ، ويكفي من النفس التسليم فحسب . والمقامات المسكوت عنها التي وراء هذه المقامات المذكور بعضها إنما يبصرها عبد موفّق بفهم هذه المقامات الموصوفة بهذه الأمثال المعروفة ، يعينه اللّه تعالى ويؤيده ليفهمها ، وتكون هذه المقامات التي وراء هذه المذكورات كزيادة صفو الماء إذ لبث في الآنية ، فبهذه الأمثال يدرك طريق السر المسكوت عنه .