الحكيم الترمذي
27
كيفية السلوك إلى رب العالمين
وإنما يتأكد بالأصل الفرع ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات » « 1 » ، ففسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن العمل الذي تعمله النفس إنما يرتفع مقداره بنية القلب ، وتضاعف الحسنة على قدر النية . والعمل للنفس ، ومنتهى ولايتها إلى الصدر بنية القلب وولايته . وليس القلب في يد النفس رحمه من اللّه تعالى ، لأن القلب هو الملك والنفس هي المملكة ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « واليد جناح والرجلان بريد والعينان مصلحة ، والأذنان قمع ، والكبد رحمة ، والطحال ضحكة والكليتان مكر ، والرئة نفس ، فإذا صلح الملك صلحت جنوده ، وإذا فسد الملك فسد جنوده » « 2 » ، فبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن القلب ملك ، فالصدر للقلب كالميدان للفارس . وبيّن عليه السلام أن صلاح الجوارح بصلاح القلب وفسادها بفساد القلب ، فالقلب بمنزلة السراج وصلاح السراج بالنور ، وذلك النور نور التقى واليقين ، لأنه إذا خلا عن هذا النور كان القلب بمنزلة مسرجة طفىء نور سراجها وكل عمل جاء من النفس من غير قلب فإنه ليس بمعتبر في حكم الآخرة ، وليس بمؤاخذ صاحبه إن كان معصية ولا مثاب إن كان طاعة . كما قال اللّه تعالى : يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة : 225 ] . ومثل الفؤاد في القلب ، وهو المقام الثالث ، وكمثل الحدقة في سواد العين ، وكمثل المسجد الحرام في داخل مكة ، وكمثل المخدع والخزانة في البيت ، وكمثل الفتيلة في موضعها وسط القنديل وكمثل اللب في داخل اللوز . وهذا الفؤاد موضع المعرفة وموضع الخواطر وموضع الرؤية ، وكلما يستفيد الرجل يستفيد فؤاده أولا ، ثم القلب . والفؤاد في وسط القلب كما أن القلب في وسط الصدر ، مثل اللؤلؤة في الصدف .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب بدء الوحي ، حديث رقم ( 1 ) [ 1 / 3 ] وأبو داود في السنن ، باب فيما عنى به الطلاق والنيات ، حديث رقم ( 2201 ) [ 2 / 262 ] ورواه غير هما . ( 2 ) ورد بلفظ : « عن كعب قال أتيت عائشة فقلت هل سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينعت الإنسان وانظري هل يوافق يعني نعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت انعت فقال عيناه وأذناه قمع ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريد وكبده ورئته نفس وطحاله ضحك وكليتيه مكر والقلب ملك فإذا طاب طاب جنوده وإذا فسد فسد جنوده » . رواه الطبراني في مسند الشاميين ، حديث رقم ؛ 738 ) [ 1 / 419 ] وأبو نعيم في حلية الأولياء ، ترجمة كعب الأخبار [ 6 / 47 ] .