الحكيم الترمذي

25

كيفية السلوك إلى رب العالمين

[ تصدير ] بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن قال أبو عبد اللّه محمد بن علي التّرمذي : أما بعد ، فإن بعض أهل العلم والفقه سألني عن بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب ، وما وراءها من الشغاف ومواضع العلوم ؛ وأحبّ أن أشرح له بتوفيق اللّه تعالى إذ هو ميسّر كل عسير وبه أستعين . الفصل الأوّل اعلم ، زادك اللّه فقها في الدين ، أن اسم القلب اسم جامع يقتضي مقامات الباطن كلها ، وفي الباطن مواضع منها ما هي من خارج القلب ومنها ما هي من داخل القلب ؛ فأشبه اسم القلب اسم العين ، إذ العين اسم يجمع ما بين الشفيرتين من البياض والسواد والحدقة والنور الذي في الحدقة . وكل واحد من هذه الأشياء له حكم على حدة ومعنى غير معنى صاحبه ، إلا أن بعضها معاونة لبعض ، ومنافع بعضها متصلة ببعض ، وكل ما هو خارج فهو أساس الذي يليه من الداخل ، وقوام النور بقوامهن ، وكذلك اسم الدار اسم جامع لما يحفظ بحيطانها من الباب والدهليز وصحنها في بيوتها وما فيها من المخدع والخزانة ، وكل مكان وموضع فيها له حكم غير حكم صاحبه . وكذلك اسم الحرم اسم جامع للحرام من حوالي مكة والبلد والمسجد والبيت العتيق ، وفي كل موضع مناسك غير ما يكون في الموضع الآخر . وكذلك اسم القنديل اسم جامع للزجاجة ، وفي القنديل موضع الماء غير موضع الفتيلة ، وموضع الفتيلة غير موضع الماء ، وهو داخل موضع الماء ، والفتيلة هي التي يكون فيها النور ، وفي موضع الفتيلة دهن ليس فيه ماء ، وصلاحه بصلاح هذه الأشياء كلها ، إذا نقص منها واحد فسد ما سواه . وكذلك اسم اللوز اسم جامع للقشر الخارج الذي فوق القشر الصلب ، والقشر الثاني الذي هو مثل العظم والمخ ، واللب الذي فيه ، والدهن الذي في داخل اللب . فاعلم ، زادك اللّه فقها في الدين ، أن لهذا الدين أعلاما ومنازل ، ولأهله فيه مراتب ، وأهل العلم فيه على درجات . قال اللّه تعالى : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الزّخرف : 32 ] ، وقال : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] .