الحكيم الترمذي
150
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فحظر على المؤمن على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قراءة القرآن في حال الجنابة والحيض فيما روي ، وأبيح له هذه الكلمات على كل حال لحاجته إليهن في كل وقت ، وشرحه مذكور في كتاب « عرس العارفين » . وأمّا قوله : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ؛ فإن اللّه - تبارك وتعالى - سلم على عباده من اسمه السلام ؛ لينيلهم دار السلام . فإذا قلت : سلام عليكم بالألف واللام ؛ فهذه علامة المعرفة فهي نكرة فإذا ألحقت علم المعرفة ؛ فإنما تريد بذلك السلام الذي سلم رب العالمين . وتقول بعد ذلك : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته . ألا ترى إلى ما قال عزّ وجل في تنزيله حين ذكر يحيي عليه السّلام فأثنى عليه ، ثم سلم عليه فقال : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) [ مريم : 15 ] . فهذا سلام رب العالمين ، ثم ذكر عيسى عليه السّلام يحكي قوله في المهد صبيّا : قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً [ مريم : 30 ، 31 ] . ثم قال سبحانه وتعالى : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) [ مريم : 33 ] . فكان هذا السلام من عيسى - صلوات اللّه وسلامه عليه - على نفسه فأخرجه بالألف ، وكأنه يشير إلى سلام متقدم ، أي : ذلك السلام عليّ هو سلام رب العالمين . ولذلك قال عيسى - صلوات اللّه وسلامه عليه - فيما روي ليحيى : أنت خير مني سلم اللّه عليك ، وسلمت على نفسي . ولذلك كره من كره هذه اللفظة ؛ قوله لأخيه : سلام اللّه عليك ؛ لأن كل أحد لا يستحق هذه المنزلة ، وفي هذا كلام كثير قد شرحناه في كتاب « علم الأولياء » . فإن قال قائل : فإن كان رب العالمين قد سلم فما حاجاتنا إلى السلام ؟ قيل له : حتى تبلغ مبلغا تعقل فيه السلام ، فهناك فسل عن هذا ، أليس قد أخبرك في تنزيله فقال : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 ) [ الأحزاب : 56 ] . أليس قد ندبنا إلى الصلاة عليه