الحكيم الترمذي
145
كيفية السلوك إلى رب العالمين
العظمة ؛ ليكون كفّارة لتصغير نعمته . ذكر علّة السجود وأمّا علة السجود ، فللذنب ؛ لأنه تكبر وأشرّ ، فوثب على حق اللّه - تعالى - ، فأمر بالسجود خشوعا له ؛ لتكون هذه الخشعة بذل تلك الهفوة ، فيتمثل له كهيئة التراب الذي منه خلقه ، فهو يضع وجهه بالأرض ، وتلك غاية الخشوع في الظاهر ، فإن اللّه - سبحانه وتعالى - خلقه من الأرض ، وهي أهون الأشياء وأضعفها تحت الأقدام ، ثم وضع معرفته عنده بالأمانة فخان حين لبسه بظلم ، فقال اللّه - تعالى - في تنزيله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) [ الأنعام : 82 ] . فلما لبس إيمانه بظلمهم فخان فوقعت التهمة ، فصار نفورا من ربه تعالى ، وبعد هاربا على وجهه وانقطع المدد وصار في هزيمة العدو إلا أن ربقة الإسلام في عنقه ورأس الحبل بيد اللّه - تعالى - . ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « مثل المؤمن كمثل الفرس في آخيته يجول ويجول ثم يرجع إلى آخيته » « 1 » . فالمؤمن يسهو ثم يسهو ، ثم يرجع إلى ربه ، فأمر بالسجود ليتمثل له كهيئة الأرض استكانة وتواضعا وإلقاء باليدين . ولذلك قال مسروق لسعيد بن جبير : يا سعيد ما بقي شيء نرغب فيه إلا أن نعفّر وجوهنا في هذا التراب له .
--> ( 1 ) نصه كاملا : « عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان فأطعموا طعامكم الأتقياء وولوا معروفكم المؤمنين » رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عما يجب على المرء . . ، حديث رقم ( 616 ) [ 2 / 381 ] ورواه أبو يعلى في المسند عن أبي سعيد الخدري ، حديث رقم ( 332 ) [ 2 / 492 ] ورواه غير هما .