الحكيم الترمذي
13
كيفية السلوك إلى رب العالمين
ويفوته أمر كبير ؛ فإن زمان الهنا زمان ترك مقام أعلى مما هو فيه لأن التجلي على قدر العلم ، وصورته : مما جعل لك ، من العلم به ، مجاهدتك ، وتهيئتك في الزمان الأول مثال ، ثم إن ما شهدت في الزمان الثاني ، فإنما تشهد منه صورة عملك المقرر في الزمان الأول . فما زدت سوى ما يزيدك من علم ، فالقوة واحدة ، فقد حصلت ما ينبغي لك أن تدخره لموطنه ، وهو الدار الآخرة التي لا عمل فيها ، فإن زمان مشاهدتك ، لو كنت فيه صاحب عمل ظاهر ، وتلقين علم باطن ، كان أعلى بك ؛ لأنك تزيد حسنا وجمالا في روحانيتك الطالبة ربها ، وفي نفسانيتك الطالبة خلتها ، فإن اللطيفة الإنسانية ، تحشر على صورة عملها ، والأجسام تنشر على صورة عملها من الحسن والقبح ، وهذا إلى آخر نفس . فإذا انفصلت من عالم التكليف ، وموطن المعارج والارتقاءات ، حينئذ تجتني ثمره كدك . فإذا فهمت هذا فاعلم وفقنا اللّه وإياك أنك إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق ، والأخذ منه ، بترك الوسائط ، والأنس به ، فلا يصلح لك ذلك ، وفي قلبك زبانية لغيره . العزلة وإيثار الخلوة : فإنك لمن حكم عليك سلطانه هذا لا شك فيه فلا بد لك من العزلة عن الناس ، وإيثار الخلوة على الملأ ، فإنه على قدر بعدك عن الخلق ، يكون قربك من الحق ، ظاهرا أو باطنا . . فأول ما يجب عليك ، طلب العلم ، الذي تقيم به ، طهارتك ، وصلاتك ، وصيامك ، وتقواك وما يعرض عليك طلبه خاصة . لا تزيد على ذلك ، وهو باب الشكر ، ثم العمل به ، ثم الورع ، ثم الزهد ، ثم التوكل . وفي أول حال من أحوال التوكل تحصل لك أربع كرامات ، هي علامات وأدلة ، على حصولك ، في أول درجة التوكل ، وهي طيّ الأرض ، والمشي على الماء ، واختراق الهواء ، والأكل من الكون . وهو الحقيقة في هذا الباب ، ثم بعد ذلك تتوالي المقامات ، والأحوال ، والكرامات ، والتنزلات إلى الموت فاللّه ، اللّه ، لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك ، وقوتك من سلطان الوهم . فإن كان وهمك حاكما عليك فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يد شيخ مميز عارف ، وإن كان وهمك تحت سلطانك فخذ الخلوة ولا تبال . وعليك بالرياضة قبل الخلوة . والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق ، وترك الرعونة وتحمل الأذى فإن الإنسان