الحكيم الترمذي

109

كيفية السلوك إلى رب العالمين

المستدرك السادس « باب في لذة الطاعة من أي شيء تتشعب قال أبو عبد اللّه رحمه اللّه : وسألتم عن لذة العبادة من أي شيء تتشعب ، فلذّة العبادة على وجهين : منه ثواب في العاجل لصاحبها ؛ لأن الطاعة متصلة بالنية ، ونية العمل دائما باقية في القلب ، ولا يكاد يجد أحدا العمل بطاعته ، فإذا قطعها يعزم على أن لا يعود إلى هذه الطاعة ، ثم موجود في قلبه الدوام عليه والرضى به ؛ لأنه خفي على العامة ذلك لما ما في صدورهم من الاشتغال ودخان الشهوات ، فلا يكاد يستبين هذا إلا عند أهل النور والطهارة من الاشتغال ، فالعامل بالطاعة يعمل بالطاعة ، ويقطعها بحركة الأبدان ، والأصل الذي منه بدت هذه الحركات باق في القلب ، فإذا خرجت الحركات إلى اللّه ، ورفعت إلى محل العرض ، فإذا قبلها اللّه نظر إليها ، وإذا نظر إليها اشتعلت نورا بنظرته إليها ، فنادى ذلك الاشتعال إلى قلب هذا العامل بذلك ، فازداد قوة ونورا بمنزلة شجرة علت فروعها في السماء فأصابت فروعها صاعقة ، فمرّ الحريق إلى أسفلها . وذلك قوله تبارك اسمه : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [ إبراهيم : 24 ، 25 ] فالأكل كالثمرة والطعام ، ولهذه الآية غور بعيد ، وشرح عجيب ، لو أضيئت له جملة . فلذّة المطيعين من أعمالهم تلك راجعة إلى قلوبهم ، إلى الأصول التي بدت منها تلك الفروع المشتعلة ، ووجه آخر هو أعظم ، وهو لمن انكشف له الغطاء ، فالتدبّر لربّه المعبود بهذا العمل ، وهذا لمن تراءى لقلبه محل عبودة المعبود في مقامه ذلك في العمل . وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث سأله جبريل صلوات اللّه عليه وسلامه قال : « ما الإحسان « 1 » ؟ ، قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، قال : صدقت » .

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في بابين أحدهما باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم . . ، حديث رقم ( 50 ) [ 1 / 27 ] ورواه مسلم في صحيحه في بابين أحدهما باب بيان الإيمان والإسلام . . ، حديث رقم ( 9 ) [ 1 / 39 ] ورواه غير هما .