الحكيم الترمذي

64

غور الأمور

واحد عند الملك الأعلى ، منتصبا بين يديه ، فاجتمع نوراهما على القلب ، وسطعا بنوريهما ، فأنار القلب ، وأضاء من سلطان النور ، وسطع منهما شعاع إلى العرش فوقف بين يدي الجليل ، فاتبع القلب بصرعينه حتى انتهى منتهى الشعاع ، فشاهد نور القربة ، وأبصر الجلال ، وحجب إليها . فالتقى نور القربة ونور الشعاع ، وهو نور المعرفة والمعرفة بنفسها ، فعرف ربه فلما أذن له بالكلام أبرز ما كان عاين وشاهد وعرف . فقال لا إله إلا اللّه . فلما التمس الروح المفذ والمسلك للخروج ، إذ ضاق به ذرعا ، والكون في موضع مضيق كريه هائل مظلم ، وقد كان مخلا عنه في ساحات الملكوت « 1 » ، فلم يجد السبيل اضطرب ، فنظر إليه الرب نظرة كي يقر ، فارتعد من هيبة سلطانه ، فسكن فخرج النفس منه ، ثم استقر ، فقال الحمد للّه . فلما أخرج ذريته منه . نالهم ذلك النور من الموضع في الذي هم منه يوم التخمير بالحصص ، فصار لكل منه حظا على قدر ما كان في القضاء في سابق علمه . فمن كان في سابق علمه أنه لا يؤمن ، ولم يرده بالمعرفة ، ولم يمده بها ، وتركه على ذلك النور الذي جبل عليه أبوه آدم ، ولم يعرف ربه . لأنه لم يقذف إليه المعرفة ، ليعرف المعرفة ، ليعرف النور المعرفة ، والمعرفة النور ، فيعرف صاحبها ربه وعلمه إن سألته عنه لم يعرفه ، ومن ذلك قوله فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، « 2 » وهو النور نور

--> ( 1 ) خلا المكان والإناء وغيرهما خلوا ، وخلاء : فرغ مما به . وخلا الشئ : مضى وذهب . وخلى الأمر : تركه . ومعنى مخلا عنه أي مفرغا متروكا . ( 2 ) سورة الروم / الآية 30 . ونص الآية الكريمة فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .