الحكيم الترمذي
51
غور الأمور
إذا ذاك قد اجتمع فيه سم الدنيا ، فيه سم الدنيا ، وذلك أن اسمى مبارك ، واسم الطاغوت والشيطان شؤم وسم ، فإذا لم يذكر اسمى ، وذكر اسم الطاغوت . كيف يهنأ ذاك في البطون ، فإني إنما حرمت مثل هذه الأشياء ؟ ، ثم قال فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . « 1 » فاقتضى الشكر أيضا على أنه أحل لكم الحرام في أوقات الضرورة ، وأباح لك التناول ؛ ثم قال إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » ، أي لا يأخذك على التناول من الحرام رحيم . من رحمته أباح لك الحرام عند الضرورة فهذا في الدنيا . وأما في الآخرة : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 3 » ، أي نهى نفسه الباطنة عن الحرام ، وأعطاها من الحلال . وقال : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ « 4 » ، لم انتهى عن اتباع النفس الباطنة إلى الحرام ، فهذه صفة النفس الظاهرة والباطنة ، ولها سبعة أبواب شارعة إلى الجوارح سبع قرى حولها . فإذا كان الملك لها أميرا عليها جاريا سلطانه كان كلها ساكنة والقرى مطمئنة يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ « 5 » فأطاعت الباطنة
--> ( 1 ) الآية السابقة . ( 2 ) الآية السابقة . ( 3 ) سورة النازعات : آية 40 . ( 4 ) سورة الزخرف : آية 71 . وتصويب الآية الكريمة هو وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ . ( 5 ) هذا دأب الشيخ رحمه اللّه في الاقتباس من آيات الذكر الحكيم ، وهذا أمر يشير إلى تأثره الواضح رحمه اللّه بمعانى القرآن العظيم ، وتراكيب آياته ، وقدرته على استحضار الآيات في موضعها المناسب . والآية الكريمة التي اقتبس منها الشيخ رحمه اللّه هي قوله تعالى وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ سورة النحل 112 .