الحكيم الترمذي

42

غور الأمور

أو العبد إذ خلق من مرتكض رجلي ، وممشاي وما مسحت به قدمي منذ ألفي سنة . وأما الوجه الآخر فإن موطئ الواطئ وخطوته كبعض جسده ، فلا بعد لبعض الجسد من الطاعة لبعضه ، ولا بد لبعض الجسد الأدنى والأقل من الطاعة لبعض الجسد الأعلى والأكبر . فقاس بهذه الأشياء أمر اللّه وخلقه ، فأول من قاس إبليس أبعده اللّه « 1 » . [ احتجاج إبليس ] احتجاج إبليس فيما احتج به : قيل له ما الدليل على ما احتج إبليس ، وما بيانه ، وبيان حججه ما هو موجود فيمن بعده ؟ قال : أرى احتجاجه في ذلك من قول اللّه تعالى فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ

--> ( 1 ) قول إبليس لعنه اللّه ( أنا خير منه ) من العذر الذي هو أكبر من الذنب ؛ كأنه امتنع من الطاعة ؛ لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول . يعنى لعنه اللّه يقول وأنا خير منه ؛ فكيف تأمرني بالسجود له ؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار ، والنار أشرف مما خلقته منه ، وهو الطين . فنظر اللعين إلى أصل العنصر ، ولم ينظر إلى التشريف العظيم ، وهو أن اللّه تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فشذ من بين الملائكة لترك السجود . فلهذا أبلس من رحمة اللّه ، أي أوس من الرحمة ، فأخطا قبحه اللّه في قياسه ودعواه : أن النار أشرف من الطين أيضا ، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت ، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة ، ولهذا كان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر اللّه ، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة .