الحكيم الترمذي

27

غور الأمور

تفسير الأمور وتعليلها . وقد أدى هذا الاختلاف في المنهج والقدرة على الاستنتاج . إلى أن يتناول بعضهم الحكيم بالنقد والتجريح ، وأحيانا بالإيذاء والاتهام بالهوى والبدعة ، مما سبب كثيرا من الحزن ، والألم ، للشيخ الكبير ، ووصل الأمر بهؤلاء الحاقدين والحاسدين أنهم لم يتورعوا عن الوشاية به ، والافتراء عليه . لكن الحكيم اعتبر هذه الفترة بمثابة تمحيص ، وامتحان ، ومحاولة للتغلب على نوازع النفس ، وامتلاك زمامها ، وإخضاع رغباتها ، حتى لا تجمح به أو تستهويها ، مظاهر العبادة والنسك ، فتفسد عليه طريقه ، وتصرفه ، عن غايته التي كرس جهوده كلها للوصول إليها . وحينما وضحت الأمور ، وانكشف التآمر ، وعرف الزيف الذي لفقه الحاقدون ، وتبينت الوشايات التي لا حقت الحكيم ، وقف القوم يحسون بحلاوة الحديث ، وطعم الكلمات ، فأقبلوا على الحكيم يطلبون الحكمة لتستنير القلوب . وإذا كان لبعض الأئمة أن يعلو شأنهم ، ويتألق سناهم ، وتبقى على الأيام ذكراهم بما صنفوا من الكتب ، أو خلفوا من الآثار . فإن الحكيم الترمذي علم من الأعلام ، تشبع من الثقافة الإسلامية ، وكتاب اللّه وسنة الرسول ، عملا وسلوكا ، وتجربة وطريقا ، فأهله ذلك للتصنيف ، واجتمع له من المؤلفات ما لم يجتمع لغيره من الأفذاذ ، وترك للتراث الإسلامي ، ما يزيد على ستين كتابا وأكثر من مائتي رسالة . ولا شك أن مؤلفات الحكيم كانت ذات تأثير فيمن كانوا حوله من شيوخ ، أو مريديه يحملون ذكره وتوجيهاته . ويذكر المستشرق نقولا هير " أن تأثير الترمذي على الصوفية بعده عن طريق