الحكيم الترمذي
173
غور الأمور
صفة الصابر : فالصابر واقف بمكانه يرمى بالشدائد ليثبت ويظهر صدقه بتسليم نفسه فتعلو رتبته ، وتخلص عبوديته ، والشاكر يرمى باللطائف والتحف ليدنو فتطهر شرته « 1 » ، والشاكر راكض اليد عدوا تعظيما لربه بما يصنع به ، ومحبة له وشوقا إليه . والصابر ثابت بمكانه وفاء لربه ، والشاكر يقمع نفسه بالبر حتى يستحى ، فرجع إلى ربه ، والصابر يقمع نفسه بالبلاء حتى يذللها ، فينقاد لربه . فالشاكر يرجع إلى ربه مسرورا ، والصابر يرجع إلى ربه مقهورا نفسه ، فالشكر سرور القلب باللّه ، وفي الصبر تحير وانكسار ، وهو خطر عظيم هذا بالبر والنعم . وهذا بالشدة والبؤس مقهور لأن النفس عليك ، وفي الأول معك فيها هنا تعينك ، وهناك تعين عليك ، إلا أن يعصم اللّه ، فتحير وتدهش . والشكر رؤية العبد بره ، لطفه ، وجوده ، وكرمه ، وعطفه ، ورأفته ، ورحمته ، وإحسانه ، والصبر رؤية حكمه ، والشكر رؤية بر اللّه لعبده ، والصبر طلب الصدق من عنده ، والشكر بمنزلة المرهم للنفوس ، والصبر بمنزلة دواء المشي ، والشكر بمنزلة أدوية الكيمياء يلقى منها مثقال على مائة مثقال من صفر ، أو شبه ، فتصير ذهبا . والصبر بمنزلة النار يصفى الذهب ويزيل خبثه لشدة حريقه ، ليس له سلطان الكيمياء ، والشكر رؤيتك الأشياء له وإمساكك على نوابيه وأموره واحدة ، أو لم يأخذه فهو له . والصبر تسليمك الأشياء إليه من بعد أن حبسته لنفسك ، فيأخذه منك ، وفي
--> ( 1 ) شرته ، أي حرصه وإشتهاؤه .