الحكيم الترمذي
170
غور الأمور
المكارمة ، وثبت له على العبودية على طريق السخاء وبنفسه ، فذكر الجزاء ، والجزاء مكافأة السيد لعبده ، والصابر عامل على جهة التجارة ، وإعطاء أجره في الجنة بغير حساب . لأن الصابر أخذ من نفسه فثبت فأعطى أجره ، والشاكر أعطى فتواضع وتكرم فجزى وأجر الصابر من الجنة ، لأنه عوض للنفس من الذي أخذ منها وجزى الشاكر بالتواضع رفعة والتكرم كرم ، فبعدما بين الأمرين نال ذاك الجنة ، ونال هذا الرفعة والكرم من ربه . فقد قلنا : إن هذا الصبر عامل على جهة التجارة فأعطى أجره من الجنة ، والشاكر أعطى القربة ، فالجنة عوض عن النفوس التي سلمت إلى ربها فثبت فنقمت فيها ، والقربة عوض عن القلوب التي قطعت أسبابها إلى خالقها فهذا عمل على السماحة والسخاوة بنفسه من غير تلفت إلى متاجرة . والصابر عمل له على ما ذكرنا ، فولى جزاء الشاكر بنفسه ، فقال سيجزى الشاكرين وإنهم ذكر جزاء الصابرين من بلى ذلك منه فشتان ما بين الحديد والحجر . ومن درجة الشكر أن ضده كفر « 1 » ، وضد الصبر الجزع « 2 » ، والكفور ممقوت ، والجزع مذنب ، لأن ترك الشكر هو من العطاء ، وذهاب الرؤية في وقت الغفلة عن الرب عز وجل ، وترك مدحه ، وترك الصبر هو أن الشدة أزعجته من مكانه ، فقيل جزع لما أعجز البلاء ، وجزع وعجز بمعنى واحد ، إلا أنه مستعمر في صنف ، وذاك
--> ( 1 ) هذا المعنى موجود في قوله تعالى ( لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتهم إن عذابي لشديد ) إبراهيم : 7 . ( 2 ) هذا المعنى موجود في قوله تعالى ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) إبراهيم : 21 .