الحكيم الترمذي

157

غور الأمور

قال : النظر إلى وجه رب العزة . وروى عن ابن عمر رفعه قال : « 1 » ( إذا بلغ النعيم من أهل الجنة كل مبلغ وظنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب - عز وجل - فنظر إلى وجه الرحمن نسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجهه فيقولون : يا أهل الجنة هللوا لي ، فيتجاوبون بالتهليل ، فيقول فيهم : يا داود فمجدنى كما كنت تمجدنى في دار الدنيا ، فمجد داود ربه . قال أبو عبد اللّه فكذلك في الدنيا وقوفهم بين يديه ينعمهم في مقاماتهم ، ويذهلهم عن الالتفات إلى شئ من الثواب ، وهيئتهم له يذهلهم عن الالتفات إلى العقاب إذا كان الالتفات إليهما اشتغالا عنه بالنفس ، وبعد ما بين المشغول به ، والمشغول عنه ورغبتهم في الثواب ، ورهبتهم من العقاب منكمنة . « 2 » في نفوسهم ككمون النار في الحجر . ألا ترى إلا إذا قدح بالزند وذنده الذكر . هاجت قلوبهم ، فهيهات أن يقف أحد على وصف ما يهتاج من قلوبهم من رؤية الثواب والعقاب ، وكيف يقدر أحد وصف ذلك ، إنما يرون الثواب من رأفته ورحمته وكرمه وفضله ، والعقاب من سخطهم ، فبنوره ينظرون إلى الثواب والعقاب ، والعمال بنور العطاء ينظرون إليهما . فكما بين النورين من التفاوت كذلك تفاوتهما في الخوف والرجاء والرغبة

--> ( 1 ) لم نستدل على هذا الحديث الشريف في كتب الصحاح بلفظه هذا ، وإنما وردت أحاديث متواترة عن النظر إلى وجه اللّه تعالى بألفاظ مشابهة ، منها قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب رضى اللّه عنه ( إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول اللّه تبارك وتعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) . ( 2 ) منكمنة : مستترة . يقال : كنّه كنّا وكنونا واكتنه أي ستره .