الحكيم الترمذي
81
أدب النفس
فلو أن هذه الخصال كلها جمعت في رجل واحد ، لكان يعظم في عينيك ، ويكبر شأنه في صدرك ، وتعظم منزلته عندك ، ويأخذ بقلبك كله ، فهذه الأشياء لو اجتمعت في رجل واحد كانت عارية ، وهي عطاء من ربه . فعندئذ لا يكون من ملكه رأس إبرة ، وهو مخلوق يفنى ويبلى ، فكيف بالعالم الذي لا يشبه علمه وغناه ، وجوده وكرمه ، وحلمه ومجده ، وبهاؤه وجمالته ، ورحمته ورأفته ، وقوته وقدرته ، وسلطانه وبصره بالأشياء - شيئا مما عند الآدميين ، وإنما اتفقا بالاسم . فأما الأشباه فتعالى ربنا ، رب العالمين عن أن يشبهه شئ من خلقه ، فإذا عرفت هذا من ربك فكيف يكون على قلبك أموره ، ووعده ووعيده ، وضمانه وكفالته وقوته ؟ فمن استنار قلبه بالمعرفة سكن قلبه ، واطمأن إلى ربه ، ووثق بقوله ، فعظمت منزلة المؤمنين عند اللّه تعالى ، حين قبلوا الإيمان بالجملة ، ثم استأداهم الوفاء به عند النوائب ، فمنهم من وفّى ، ومنهم من سقط ، وبقي في الطريق ، فأظلم عليه الهوى ، ووقع من التخليط في الذنوب .