الحكيم الترمذي
70
أدب النفس
فقيل له : احمل ، ولك هذا الدينار ، فاستمر بالحمولة ، ونهض بأعباء ثقلها فوجد خفة الحمولة ؛ لأنه قوّى القلب بما عاين من الدنيا ، فقويت الأركان . أو قيل له : احمل هذه الحمولة ، فثقل عليه ، فعلاه بالسيف ، أو بشعلة نار ، فخلص إليه الخوف فاحتمله ، فوجده خفيفا ؛ لأن القلب قد عزم على احتماله ، هربا من السيف . أو قيل له احمل هذه الحمولة ، فثقل عليه ، فقيل له : هذا الملك وأنت بعينه ينظر إليك ، فوجد القلب قد انتقل عن حالته ، إجلالا للملك ، فاستمر بالحمولة وقوى القلب ، فإنما أدرك حمل هذه الحمولة بما عاين . فكذلك صاحب النفس ، قد عاين ، وشاهد قلبه ، مما هو أكثر مما هاهنا من معاينة بصر الرأس في دار الدنيا ، فالقلب الموقن ، صفته إذا تناول النعمة فكأنما يتناولها من خالقه ، فيأخذها بحياء ، ومرة بحلاوة ، ومرة بمهابة ، ومرة بخوف ، وإذا نزلت به بلية أبصر بنور يقينه إلى أموره ، اختار له هذا ، فظن به أحسن الظنون ؛ لأنه أيقن أنه به أرحم منه بنفسه