الحكيم الترمذي
58
أدب النفس
والدرهم خلقين من خلق اللّه تعالى كسائر الخلق مبتدعا ، ثم تنزلهما بالمنزلة التي أنزلهما اللّه تعالى ، فبإنزاله بفضلهما ، ويرى المنفعة التي فيهما من خلقهما ، فحينئذ يستوى عندك حالهما ، في أنهما خلقان من خلق اللّه تعالى ، فهذا عندنا معنى قول عيسى بن مريم عليهما السلام . فإذا غفلت عن النفس بعد رياضتها ، فلا تأمن أن تعود إلى بعض عاداتها ما دامت الشهوات منها حية ، والهوى قائما ، ألا ترى أن القوس إذا ترك استعمالها وتعاهدها وعتقت « 1 » ، وكيف يأخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى ؟ فكلما رميت بها سهما أخطأ الغرض ، كذلك النفس إذا تركتها حتى تقوى شهواتها ، ويشتد حرها في الجوف ، وتقوى ظلمة الهوى ، أخذت من البيت الأعلى ، وهو نور العقل ، ونور المعرفة ، ونور الروح ، ونور العلم ، فتحرق بنيران الشهوات من هذه الأنوار التي في القلب بقدر قوتها . وإذا قويت بنيرات الشهوات ضعفت الأنوار ، فيظلم الهوى على اليقين ، فيتولد الشك على القلب من هذه الآفات ، فتغلب على القلب هذه الآفات .
--> ( 1 ) عتقت من العتيق . وهو القديم من كل شئ « لسان العرب » .