الحكيم الترمذي

44

أدب النفس

قال له قائل : كيف يكون هذا ؟ قال : هذا عبد قد يسره ، وولى سياسته ، وحفظه ، ورعايته ، واستعمله ، فكان في صنعه قد أمات فيه الشهوات ، ويسر عليه الصعاب ، وبسط له النور ، ومد له في الأسباب ، وألهمه وفهّمه ، وصيّره من أولى الألباب ، فإن نطق نطق بحكمة وإن أنصت أنصت بفكرة ، وإن نظر نظر بعبرة ، وإن مشى مشى بهيبة ، وإن بطش بطش بغلبة ، قد منع قلبه من التفكير ، وسلب في الأمور التدبير ، وهذا كله موجود تحققه في الكتاب والخبر . فأما في الكتاب فشأن الخضر عليه السلام ، خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وأقام الجدار ، فلو عمل في الظاهر ، ما قدر على ذلك ، ثم قال في آخر أمره ، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي « 1 » . فهذا من اللّه في الباطن ، الذي يؤتيه من يشاء ، وقد قال في ذكره له : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 2 » . فقد

--> ( 1 ) سورة الكهف - من الآية رقم 82 . ( 2 ) سورة الكهف - الآية رقم 65 .