الحكيم الترمذي

39

أدب النفس

فإنها تركت هواها ، ورفعت بالها عن نفسها ، فإن خاطرت لم تبال ، وإن أتعبت نفسها لم تمل ، وإن اقتضاها راكبها السير « 1 » والركض والوثب ، استفرغت مجهودها في إعطاء كل ما يبتغى منها ، من غير جمح ، ولا حزن ، ولا تلكؤ ، ولا شمس ، ولا كسل ، ولا تركت أدبها . وقد كانت قبل ذلك هملا في الرعى ، تفعل ما هويت ، فهي قريبة القيمة من أشكالها من الدواب ، وإنما اختصها الملك وأطاب علفها ، وصانها عن رؤية الناس ، وجللها ، وعزلها عن الجهد والكد ، بترك مراعيها وهواها ، ونشاطها ، وأنسها بأشكالها ، واحتمالها التعب في جنب مالكها ، وإعطاء المجهود بالصدق من نفسها ، ويقظة قلبها ، ونظرها بقلبها إلى راكبها . ولو كانت - إذا راضها - لم تنقد لمولاها ، ولم تأخذ سيرها ، ولم تؤدب بأدبه ، فإن سيّرها أبطأت في السير ، وإن مال بعنانها امتنعت وشمست « 2 » ، وإن مدها جمحت فمدت به ، وفي الموضع الذي كان يريد السير منها امتنعت

--> ( 1 ) في الأصل : للسير ، واقتضى يتعدى إلى مفعولين ، تقول : اقتضاه دينه ، كما في أساس البلاغة للزمخشري . ( 2 ) شمست الدابة : شردت وجمحت ومنعت ظهرها « لسان العرب » .