الحكيم الترمذي
111
أدب النفس
وأقبلت الآخرة بحقائقها ، من البكاء والأحزان ، والاستكانة ، والصلاة ، والصيام ، والذكر ، والقرآن ، وأعمال البر ، فشغل عن الأهل ، والولد ، وعن التلذذ بقربهم ، والأنس بهم . فصار الولد يتيما ، والأهل كالأرملة ، والمسكن وحشا ، وتعطلت الأوقات التي كان يتلذذ فيها عند الغداء والعشاء ، وتبدل بها جوعا ، ويبسا ، وبالضحك بكاء ، وبالفرخ حزنا ، وبالسرور غموما ، وبالراحة نصبا ، وبالنوم سهرا ، وبالدعة تعبا وضيقا ، وبالغنى فقرا ، وبالعز ذلّا ، وبالمدح ذمّا ، وبالثناء طعنا وعيبا ، فلم تسلم نفس ولا مال ولا جاه ، ولا قدر إلا ذهب كله . فهذا قتيل اللّه قد تبددت نفسه ، وشهواته ، ومناه ، وصار هواه كالقتيل ، فتخلص روحه عن هواه ، فتقبل اللّه روحه ، وأحيا قلبه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ووصل بقلبه إلى إلهه ، ففرح واستبشر ، فقلبه عنده فرح مستبشر ، حي ، فمن هاهنا برز الصّدّيق على الشهيد لأن الشهيد احتسب بنفسه على اللّه تعالى مرة واحدة ، حتى قتل .