الحكيم الترمذي
477
ختم الأولياء
الغيم هو المانع عن كمال الادراك ، وانه ينقشع - فهو يشتاق إلى كمال الرؤية عند زوال المانع . وزيادة شوقه بقدر تطلعه إلى زيادة الوضوح والكشف في المشاهدة . وأبرح ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام ! واعلم أن المحب ما لم يصل إلى مقام الاتحاد ، لا تنقطع الحجب التي بينه وبين محبوبه . فإنها كثيرة ، لكن بعضها الطف وأشد نورانية من بعض . وكلما كشف له منها حجاب تاقت النفس إلى كشف ما بعده ، حتى تزول جميعها عند الاتحاد ، إذ هي عايقة عن حقيقة المشاهدة . وآخرها حجابا ، رؤية المحب ذاته في مشاهدة محبوبه ، إذ ملاحظته لها حجاب وشوب في المشاهدة . فإذا ارتفع ذلك ، بالفناء عنها وعن فنائه عنها ، شاهد المحبوب على ما هو عليه . وان لم يفن هذا الفناء ، فلا يشاهد محبوبه الا بقدر ما يليق بادراكه ، لا بقدر كمال المحبوب في نفسه : إذ لا يدرك كمال المحبوب سواه . فما دام ، ثمّ ، السّوا ، لم يصل إلى حقيقة الكمال في المشاهدة . وإذا كانت هذه المشاهدة على كمالها ، فليس في الوجود ألذ منها ولا أعظم ولا أجلّ . وقلّ ما تسلم من الشوائب في هذه الدار . فإذا حصل هذا النوع من المشاهدة ، سكن زاعج الشوق المقلق ، الذي هو محل الألم ؛ وبقيت حالة ، تسمى حالة الاشتياق ، وهي صفة لازمة للمحبة في ضمن ذاتها . وهي لذة محضة لا ألم فيها . بخلاف الشوق ، إذ هو يحرك النفس تحريكا عنيفا ، حتى يصل إلى تلك الحال الكاملة ، ولا يقنع بشئ دونها : وهي المشاهدة الحقيقية . أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها وهل بعد العناق تداني ؟ وألثم فاها كي تزول صبابتي * فيزداد ما ألقاه بالرشفان فيا من لنفس ليس يشفى غليلها * سوى ان يرى الروحان يلتقيان ! تنبيه ! « واعلم أن الصفات الواردة من المحبوب وان كانت لا تنحصر كثرة ، إذ هي تتعاقب على الساعات وتختلف باختلاف الحالات - فإنها ترجع إلى ثلاث صفات : صفة جمال ، وصفة جلال ، وصفة كمال . فمن تجلّى له محبوبه بنعوت البهجة للنفوس : من الجود والاحسان والرحمة والامتنان ، والعطف الشامل ، واللطف الكامل ، ورفع الحجاب ، وتيسير أسباب الاقتراب ، وساير الصفات البهية الجليلة النورية ، والنعوت البهجة النسبية ، الموجبة للانبساط والانس واللذة والسرور - فيقال : انه مشاهد لصفات الجمال . ومن تجلّى ( الأصل : تجلا ) له بنعوته الواجبة له : من العز والقهر والعظمة والجبروت والسطوة والقدرة والاستيلاء ، ونظر إلى نفسه فرآها فقيرة مقهورة ناقصة ذاهبة في عز كبريائه وقهر سلطانه ، فوجد لذلك في نفسه ، من الدهش والذهول ما يكاد يطمس معالم ذاته ، ويفني رسوم صفاته - فيقال : ان هذا مشاهد لصفات الجلال . ومن تجلّى ( الأصل : تجلا ) له بصفاته التي لا تليق إلّا به : من العلم والقدرة والانفراد بالخلق والايجاد والغنى المطلق والقيومية التي قام بها ساير الموجودات وعلم ما له من السناء والبهاء والنور الفايض على ساير الموجودات ، وان ظهورها كلها به ، ووجد في نفسه بذلك من المحبة والشوق إلى كمال المعرفة به ما لم يعلم حقيقته إلّا بارئه - فيقال : ان هذا مطالع لصفات الكمال .