الحكيم الترمذي

474

ختم الأولياء

[ 29 ) نجم الدين كبرى ] 29 ا ) نجم الدين كبرى : ( أطوار السيّار ) « السيّار ، إذا صفا ونبتت له يد الهمة ، يجد يدا - كلّما غاب - غير هذه اليد ، وهي يد القلب . فيها يأخذ في الغيب ، ويعطي في الغيب ، ويأكل في الغيب . وهي إذا تمت وقويت تمتدّ إلى الآيات بين يدي السيّار كأنه يأخذها . وقد تطرأ عليه حالة ، عند نهايات التحير ، ان في هذه اليد مقرعة من نار ، وهي تضرب بها وجه الأرض والسماء كأنه يسفك دم الآيات ، لشدة هجوم عساكر الآيات عليه وغلبة اليقين . وقد تكون مقام المقرعة قارورة من نفط ، كأنه نفّاط يريد ان يحرق بها ما في السماوات وما في الأرض . والسرّ في هذا ، ان السيّار الصادق ، المخلص ، العاشق لا يحجبه شيء عن المقصود والمطلوب . فإذا نظر اليه ، حجبته الآيات والعلامات عليه . وقد شرب شراب الآيات والعلامات ، وسكر ثم عربد ثم صحا من سكره ثم عاد سكران ! ثم سئم من ( الأصل : عن ) شيء تكرر عليه ، مرة بعد مرة . فاقتضى صدقه وعشقه واخلاصه طرد ما سواه من الدلائل والآيات عليه ، وإن كانت هاديات إليه . لان المرشد والدليل إنما يطلب عند تعمية الطريق إلى المطلوب . اما إذا عرف الطريق اليه ، بل عرفه ، حينئذ يكون الدليل والآية حجابا ، يجب طرحه وطرده . بل يكون الدليل حينئذ عدو الأولياء ! « والحق ، سبحانه ! محتجب بالدلائل والآيات في عالم الغيب والشهادة . اما في الغيب فبالآيات الباطنة ؛ واما في عالم الشهادة فبالآيات الظاهرة . فان عالم الشهادة مشتمل بنور وظلمة : وكلاهما حجاب . وكذلك عالم الغيب مشتمل بنور وظلمة ، وهما حجابان . إلا أن النور والظلمة ، في عالم الشهادة ، اسما النور والظلمة في عالم الغيب ؛ والنور والظلمة ، في عالم الغيب ، معنيان لهذين الاسمين في عالم الشهادة : وهو معنى المعاني وروح الأرواح وقلب القلوب . والدنيا كذلك الآخرة ، والآخرة معنى الدنيا : والآخرة ، بمعانيها ، اسم الحق ، سبحانه ! « والسيّار تزداد معرفته بظهور الآيات الغيبية ؛ ثم تزداد معرفته بفناء الآيات الغيبية في هواجم العظمة والكبرياء . فتكون الآيات الغيبية خوارق عنده على نفسه بالنسبة إلى عادة الآيات الظاهرة ، ويكون تجلي الصفات والذات خوارق عنده بالنسبة إلى الآيات الغيبية . ثم يستقيم حتى يصير الاسم والمعنى عنده سواء ؛ فيكون تحيره عند النظر إلى الآيات الظاهرة ، حسب تحيره في عالم الكشف ، عند النظر إلى الآيات الغيبية . وكذلك عند تجلي الصفات والأسماء ؛ الا انه يدري ان اليقين نبت عن المعنى لا عن الاسم . فلا يزال يدعو خلق اللّه ، عز اسمه ، إلى الآيات الغيبية ولا يندبهم إلى الآيات الظاهرة - وان كانت عنده سواء - لعلمه ان يقينهم لا يزداد الا بهذا الطريق . والمقصود تحصيل اليقين وزيادة العرفان ، ولهذا لا يصح التربية والمشيخة إلا لمن سلك الطريق وابصر المذموم والمحمود في الغيب ، وقاسى بلاء هواجم العظمة من الهيبة والموت والفناء . ولا يصح للمجذوب ، فان المجذوب وان ذاق المقصود ولكن لم يذق الطريق إلى المقصود ، فلم يصلح للتربية والمشيخة : لان التربية والمشيخة هو الدلالة والخفارة في الطريق .