الحكيم الترمذي
453
ختم الأولياء
من النظر اليّ ، ولأجدّدنّ كرامتك في كل يوم وليلة وساعة . فإذا توجهت الوفود اليه ، أقبل عليهم فقال : أيها المتوجهون اليّ ، ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظا ، وما ضركم من عاداكم ، إذا كنت لكم سلما ؟ » - ( المحبة للمحاسبي نقلا عن Rec . p . 22 - 23 ) . 9 ) المحاسبي : « قلت ، رحمك اللّه ! صف لي كيف نزوله ( - الصدق ) في القلب ؟ قال : ان الصدق موهبة من اللّه عز وجل . فإذا وقر في القلب ، انصدع لذلك نور وكان له هياج في القلب واخذ في الرأس وانتشر في سائر الجسد . فتأخذ كل جارحة منه بقسطها من الصدق على قدر الكثرة والقلة من هيجان الصدق ، وعلى قدر ما وافق من ذلك رقة القلب وصحة العقل . - فربما هاج الصدق في القلب فولّهه . وربما حيّره . وربما أذهله . وربما أبكاه وأحزنه . وربما نغّص عليه الطعام والشراب . وربما دام منه البكاء والنحيب . وربما لحقه التشنّج . وربما أفحم . وربما صرخ . وربما شهق . وربما زال عنه العقل ، ساعة ويوما ويومين . وربما سقط عنه التمييز ، ساعة ويوما ويومين . وأكثر من ذلك : على قدر هيجان الصدق من القلب . وربما قطعه الصدق عن كثير من اعمال البر ، وهو مشتغل في مواجيد الصدق . وربما هام . وربما توحّش من الخلق إلى أنس الوحدة . وربما دام به الحزن . وربما كمد . وربما تغيّر منه اللون . وربما اقشعرّ منه الجلد . وربما استبسلت منه الجوارح . وربما خمدت منه الأعضاء . وربما لم ينتفع به أهل ولا ولد . وربما لم يقدر ان يأكل الشيء ، تغصّصا بالطعام ، حتى يحسوه حسوا . وربما عمشت عينه من البكاء . وربما احترقت منه الجفون وبكت لبكائه العيون . - فهذا الذي وصفناه كله يهجيه من القلب صدق الحياة ، أو صدق الخوف ، أو صدق حسن الظن ، أو صدق المحبة » . ( القصد والرجوع إلى اللّه ورقة 23 / ا - 24 / ب ) . 10 ) المحاسبي : « قلت : أجمل له حالات العارفين ، ما هي ؟ - قال : عن ايّ حالات العارفين تسأل ؟ - قلت : أريد ان تدلني منها على حالة تثبتني في التواضع ، وتكمل لي الحياء ، وتجمع لي الرعاية ، وتمزج لي السرور بالمقدور ، وتسقط عني كثيرا من الاعجاب ، ويدخل عليّ منها مطالع الامتناع عن كل سبب يجرّ إلى دواعي فتنة . - قال : الحمد للّه الذي وفقك للصواب ودلّك على الرشاد وكشف عن قلبك غطاء ظلمة الجهل ! الآن رجوت أن تكون قد قربت من المعرفة ووصلت إلى بابها . يا فتى ، ان الحالة التي تجمع لك الحالات ، هي كلها في حالة واحدة : في المراقبة . فألزم نفسك وقلبك دوام العلم فينظر اللّه إليك : في حركتك وسكونك ، وقيامك وقعودك ، وذهابك ومجيئك . فإنك بعين اللّه ، عز وجل ، في جميع منقلبك . وأنك في قبضته حيث كنت . وان عين اللّه على قلبك ، و ( هو ) ناظر إلى سرك وعلانيتك . فهذه الصفة ، يا فتى ، بحر ليس له شطآن . بحر تجري منه السواقي والأنهار ، وتسري فيه المراكب إلى معادن الغنيمة . - قلت : فما معنى قولك في « البحر » والتمثيل به ؟ - قال : أما البحر ، فهو العلم الذي وصفته لك . وهو العلم الذي ليست له نهاية ولا غاية . وهو علم القلب بقرب الرب . وهو العلم الذي يؤدي إلى العظمة . وهو البحر الذي ليس