حسين بن منصور الحلاج

64

ديوان الحلاج

السجّان ، وأدخلني عليه . فدخلت السجن والسجّان معي ، فرأيت دارا حسنة ، ورأيت في الدار مجلسا حسنا ، وفرشا حسنا ، وشابّا قائما كالخادم . فقلت له : أين الشيخ . فقال : مشغول يشغل . فقلت : ما يفعل الشيخ إذا كان جالسا ههنا . قال : ترى هذا الباب . هو إلى حبس اللصوص والعيارين ، يدخل عليهم ويعظهم فيتوبون . فقلت : من أين طعامه . فقال : تحضره كل يوم مائدة عليها ألوان الطعام فينظر إليها ساعة ثم ينقرها بإصبعه فترفع ولا يأكل . فإذا الحلّاج قد خرج إلينا ، فرأيته حسن الوجه ، لطيف الهيئة ، عليه الهيبة والوقار . فإذا هو سلّم عليّ وقال : من أين الفتى . قلت : من شيراز . فسألني عن مشايخها فأخبرته . وسألني عن مشايخ بغداد ، فأخبرته . فقال : قل لأبي العبّاس بن عطاء احتفظ بتلك الرقاع . ثم قال : كيف دخلت ؟ فأخبرته . فدخل أمير الحبس يرتعد . فقبّل الأرض بين يديه ، فقال له : ما لك . قال : سعي بي إلى أمير المؤمنين بأني أخذت رشوة ، وخلّيت أميرا من الأمراء وجعلت مكانه رجلا من العامّة . وها أنا ذا أحمل لتضرب عنقي . فقال : امض ، لا بأس عليك . فذهب الرجل ، وقام الشيخ إلى صحن الدار ، وجثا على ركبته ورفع يديه ، وأشار بمسبحته إلى السماء وقال : يا ربّ . ثم طأطأ رأسه حتى وضع خدّه على الأرض ، وبكى حتى ابتلّت الأرض من دموعه ، وصار كالمغشيّ عليه . وهو على تلك الحالة حتى دخل أمير الحبس وقال : عفي عنّي . قال ابن خفيف : وكان الحلّاج جالسا في طرف الصفّة وفي آخر الصفّة منشفة ، وكان طول الصفّة خمسة أذرع . فمدّ يده وأخذ المنشفة فلا أدري أطالت يده أم جاء المنديل إليه فمسح وجهه بها . فقلت : هذا من ذاك . [ 69 ] وعن إبراهيم بن شيبان قال : دخلت مكّة مع أبي عبد اللّه المغربيّ فأخبرنا أنّ ههنا الحلّاج مقيم بجبل أبي قبيس . فصعدناه وقت الهاجرة فإذا به جالس على صخرة والعرق يسيل منه ، وقد ابتلّت الصخرة من عرقه . فلمّا رآه أبو عبد اللّه ، رجع وأشار إلينا أن نرجع فرجعنا . ثم قال أبو عبد اللّه : يا إبراهيم ، إن عشت ترى ما يلقى هذا ، سوف يبتليه اللّه ببليّة لا يطيقها أحد من خلقه يتصبّر مع اللّه .