حسين بن منصور الحلاج

55

ديوان الحلاج

وترى ولا ترى ، وتخبر عن كوامن أسرار ضمائر خلقك ، وأنت على كل شيء قدير . وأنا بما وجدت من روائح نسيم حبك ، وعواطر قربك أستحقر الراسيات ، وأستخفّ الأرضين والسماوات . وبحقّك لو بعت منّي الجنّة بلمحة من وقتي ، أو بطرفة من أحرّ أنفاسي لما اشتريتها . ولو عرضت عليّ النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها في مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك منّي . فاعف عن الخلق ولا تعف عنّي ، وارحمهم ولا ترحمني . فلا أخاصمك لنفسي ، ولا أسائلك بحقّي ، فافعل بي ما تريد . فلمّا فرغ قام إلى صلاة أخرى ؛ وقرأ الفاتحة وافتتح بسورة النور وبلغ إلى سورة النمل . فلمّا بلغ إلى قوله تعالى : أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » صاح صيحة وقال : هذه صيحة الجاهل به . ومن ودّ المحبّ المحقّ أن لا يعبد ما حدّ . [ 45 ] يروى عن عبد اللّه بن طاهر الأزديّ أنه قال : كنت أخاصم يهوديّا في سوق بغداد وجرى على لفظي أن قلت له : يا كلب . فمرّ بي الحسين بن منصور ونظر إليّ شزرا ، وقال : لا تنبح كلبك ، وذهب سريعا . فلمّا فرغت من المخاصمة ، قصدته ، فدخلت عليه ، فأعرض عنّي بوجهه . فاعتذرت إليه فرضي ، ثم قال : يا بنيّ ، الأديان كلّها للّه عزّ وجلّ ، شغل بكلّ دين طائفة لا اختيارا فيهم بل اختيارا عليهم . فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه ، وهذا مذهب القدريّة و « القدريّة مجوس هذه الأمّة » . واعلم أنّ اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة ، والمقصود منها لا يتغيّر ولا يختلف . ثم قال : [ من الطويل ] تفكّرت في الأديان جدّ محقّق * فألفيتها أصلا له شعب جمّا فلا تطلبن للمرء دينا ، فإنّه * يصدّ عن الأصل الوثيق ، وإنّما يطالبه أصل يعبّر عنده * جميع المعالي والمعاني فيفهما

--> ( 1 ) النمل : 25 .