حسين بن منصور الحلاج
46
ديوان الحلاج
وقيل : هذا آخر شيء سمع منه . ثم ضربت عنقه ولفّ في بارية ، وصبّ عليه النفط وأحرق ، وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه الريح . [ 18 ] عن أبي محمد الجسري قال : رأيت الجنيد ينكر على الحلّاج ، وكذلك عمرو ابن عثمان المكّي وأبو يعقوب النهرجوري ، وعليّ بن سهل الأصبهاني ومحمد بن داود الأصبهاني ، وأمّا أبو يعقوب فقد رجع عن إنكاره في آخر عمره . وأمّا عمرو بن عثمان فكان علّة إنكاره أنّ الحلّاج دخل مكّة ولقي عمرا ، فلمّا دخل عليه ، قال له : الفتى من أين ؟ فقال الحلّاج : لو كانت رؤيتك باللّه لرأيت كلّ شيء مكانه ، فإنّ اللّه تعالى يرى كلّ شيء ، فخجل عمرو وحرد عليه ، ولم يظهر وحشته حتى مضت مدّة . ثم أشاع عنه أنه قال : يمكنني أن أتكلّم بمثل هذا القران . وأمّا عليّ بن سهل ؛ فدخل الحلّاج أصفهان وكان عليّ بن سهل مقبولا عند أهلها فأخذ عليّ بن سهل يتكلّم في المعرفة ، فقال الحسين بن منصور : يا سوقيّ ، تتكلّم في المعرفة وأنا حيّ ؟ ! . فقال عليّ بن سهل : هذا زنديق . فاجتمعوا عليه وأخرجوه منها . وأمّا الجنيد فكنت عنده إذ دخل شاب حسن الوجه والمنظر ، وعليه قميصان وجلس سويعة ، ثم قال للجنيد : ما الذي يصدّ الخلق عن رسوم الطبيعة ؟ فقال الجنيد : أرى في كلامك فضولا أيّ خشبة تفسدها . فخرج الشابّ باكيا ، وخرجت على أثره وقلت : رجل غريب قد أوحشه الشيخ . فدخل المقابر وقعد في زاوية ووضع رأسه على ركبته . فرأيت صديقا لي فقلت له : رأيت بالعجلة شيئا من الشواء والفالوذج والسكّر وخبزا حواري ، وماء مبرّدا ، والخلال وقدرا من الأشنان وأنا في الموضع الفلانيّ . فأتيت الشابّ وجلست بين يديه ألاطفه وأداريه حتى جاء بما التمست منه ، فوضعته بين يديه وقلت له : تفضّل . فمدّ يده وتناول . ثم قلت : الفتى من أين . قال : من بيضاء فارس إلّا أنني ربّيت بالبصرة . فاعتذرت منه للجنيد ، فقال : ليس له إلّا الشيخوخة وإنّما منزلة الرجال تعطى ولا تتعاطى . وأمّا محمد بن داود فكان فقيها ؛ والفقيه من شأنه الإنكار على التصوّف إلّا ما شاء اللّه .