حسين بن منصور الحلاج

22

ديوان الحلاج

يا من لازمني في خلدي قربا ، وباعدني بعد القدم من الحديث غيبا . تتجلى علي حتى ظننتك الكل ، وتسلب عني حتى أشهد بنفيك . فلا بعدك يبقي ، ولا قربك ينفع ، ولا حربك يغني ، ولا سلمك يؤمن « 1 » . يا من أسكرني بحبه ، وحيرني في ميادين قربه ، أنت المنفرد بالقدم ، والمتوحد بالقيام على مقعد الصدق ، قيامك بالعدل لا بالاعتدال ، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال ، وحضورك بالعالم لا بالانتقال ، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال . فلا شيء فوقك فيظلك ، ولا شيء تحتك فيقلك ، ولا أمامك شيء فيجدك ، ولا وراءك شيء فيدركك . أسألك بحرمة هذه الترب المقبولة والمراتب المسؤولة ، أن لا تردني إلي بعد ما اختطفتني مني ، ولا تريني نفسي بعد ما حجبتها عني ، وأكثر أعدائي في بلادك ، والقائمين لقتلي من عبادك « 2 » . يا إله الآلهة ، ويا رب الأرباب ، ويا من لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ رد إلي نفسي لئلا يفتتن بي عبادك . يا هو أنا وأنا هو لا فرق بين أنيتي وهويتك إلا الحدث والقدم « 3 » . يا من لم تصل إليه الضمائر ، ولم تمسه شبه الخواطر والظنون ، وهو المترائي عن كل هيكل وصورة ، من غير مماسة ومزاج . وأنت المتجلي عن كل أحد ، والمتجلي بالأزل والأبد . لا توجد إلا عند اليأس ، لا تظهر إلا حال الالتباس . إن كان لقربي عندك قيمة ، ولإعراضي لديك عن الخلق مزية ، فأتنا بحلاوة يرتضيها أصحابي « 4 » . اللهم ، أنت الواحد الذي لا يتم به عدد ناقص ، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائص ، وأنت فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ « 5 » أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين ، وأظلمت منه أرواح المتمردين ، وأسألك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك ، وتفردت به عمن سواك ، أن لا تسرحني في ميادين الحيرة ، وتنجيني من غمرات التفكر ، وتوحشني عن العالم ، وتؤنسني بمناجاتك ، يا أرحم الراحمين « 6 » .

--> ( 1 ) ورد القول في أخباره برقم 3 . ( 2 ) ورد القول في أخباره برقم 5 . ( 3 ) ورد القول في أخباره برقم 7 . ( 4 ) ورد القول في أخباره برقم 8 . ( 5 ) الزخرف : 84 . ( 6 ) ورد القول في أخباره برقم 9 .